صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

"التغيير الهائل": كيف تنظر البشرية إلى مستقبلها؟

جاء على لسان المؤرخ الشهير أرنولد توينبي قوله "إن رفاه وسعادة أمة ما, إنما يعتمدان على مدى قدرتها على الاستجابة للتحديات التي تواجهها, سواء كانت هذه التحديات بيئية أم إنسانية". ولما كان ذلك هو رأي مفكر كبير بحجم توينبي, فهل نحن على استعداد لمواجهة التحديات التي تطل علينا اليوم, علماً بأنها تحديات تمتد من التدفئة الشاملة, وحتى الانتشار الجديد لوباء الملاريا في إفريقيا؟ فقد أحرزت جملة من الخطوات على طريق التقدم إلى الأمام, من إعادة التدوير في المجال الصناعي, مروراً بالتقليد الحيوي, والتخطيط الحضري بعيداً عن الشبكة القومية للكهرباء, وصولاً إلى اختراع الأعضاء البديلة, القائمة على التكنولوجيا الحيوية وغيرها. وفي كل هذه الخطوات ما يؤكد أننا بحجم التحدي وأهل له.
ولكن مما يثير دهشتي, أن التفاؤل أضحى سمة مثيرة للجدل والخلاف في عالمنا, عالم اليوم. فقد شعرت بسيادة مزاج عام يغلب عليه الإحباط, بل وحتى الإحساس باللامبالاة, من قبل أفراد يتربعون في أعلى مراتب السلطة ومراكز اتخاذ القرار. ومن عجب أن يركن أفراد مثل هؤلاء, للقناعة بأنهم لا حول لهم ولا قوة, وأن يستسلموا لعجزهم وعدم قدرتهم على فعل ما من شأنه تغيير الأشياء والواقع المحيط بهم! وأكثر ما يثير دهشتي أن القدرات المتاحة لهؤلاء القادة اليوم, هي الأكبر مما لا يمكن قياسه, بأي فترة سابقة من فترات تاريخ الإنسانية الطويل.
وفي الواقع فإن المشكلة تكمن في أن حضارتنا المعاصرة قد تمكنت من بناء وتطوير إمكانات كبيرة وغير مسبوقة على الإطلاق, إلا أنها وللأسف, تعجز عن رؤية صورة وحجم ما تنتجه بالفعل. ويبدو هذا العجز كما لو أنه جرى توزيع أجزاء هذه الصورة الكبيرة العملاقة, إلى جزيئاتها ووحداتها الصغيرة المقدرة بالمليارات, التي يصنعها الأفراد كلاً على حدة. ليس ذلك فحسب, بل وكأن الواقع يقول إنه لم يعد في وسع كل واحد منا, إلا رؤية ذلك الجزيء الصغير المحدود, الذي ينهمك بالعمل فيه. وفي هذه الحالة, فإن الذي يغيب عن الأنظار بالطبع, هو تكامل الصورة, ووحدة أجزائها العضوية المكونة لها في مجموعها. ولهذا فإن الذي رمينا إليه سواء في المؤسسة التعليمية التي نعمل فيها "معهد بلا حدود" أو عبر كتابنا الذي يحمل عنوان "التغيير الهائل" هو إعادة تركيب عناصر تلك الصورة التي تعكس عصرنا بكامله. ضمن ذلك, فقد عمدنا إلى توثيق ذلك التغيير الهائل الذي يجري أمام عيوننا مباشرة, دون أن ينتبه إليه أغلبنا.
وعلى الصعيد الشخصي, فإنني لعلى قناعة كبيرة بما ذهب إليه الفيلسوف إيه. أوه. ويلسون, من وصف الخمسين عاماً المقبلة, بأنها تمثل ما أسماه بـ"عنق الزجاجة". كما أشاطر الكاتب جاريد دايموند آراءه التي أوردها في مؤلفه الأخير "الانهيار:"كيف تختار بعض المجتمعات طريق الفشل أو النجاح؟". فهو مثل الفيلسوف السابق الذكر, على قناعة أيضاًَ, بأن أمام البشرية نحو 50 عاماً, أصبحت مطالبة فيها بتغيير مسارها كله.
وخلال الفترة المحددة هذه, فإنه يتوقع للبشرية أن تحقق نمواً سكانياً يتراوح ما بين 9-10 مليارات, ثم تبدأ بعدها, عدها السكاني التنازلي. وربما تزداد وتيرة هذا الضمور, فيما لو جرى تحرير النساء وتعليمهن في كافة الدول والمجتمعات. وهذا العامل الأخير بالذات, هو الذي يحدث الفرق كل الفرق, في الانخفاض السكاني المتوقع للمجتمع البشري. ويعني هذا, أن المجتمعات لن تواصل المعاناة من مشكلة الانفجار السكاني, أبد الدهر.
كما يعني أيضاً أنه بات علينا العبور من عنق الزجاجة الذي ينتظرنا في مكان ما, أمامنا لا محالة. أخلص من كل هذا العرض, إلى أن جوهر ما يجب فهمه في مشروع "التغيير الهائل" الذي أتحدث عنه, هو أن يلحظ الواحد منا - لدى أخذه في الاعتبار بكل ما أحرز من تقدم على النحو الذي بينته أعلاه- أننا تمكنا من تسريع تطوير قدراتنا بسبب تلك الظاهرة التي يحلو لي أن أسميها بـ"التخصيب المهجن" في كل شيء تقريباً. فعن طريق المزج بين خدمة شبكة الإنترنت ومصادر الطاقة الجديدة, أصبح في الإمكان بلوغ درجات غير مسبوقة من الدقة والكفاءة في إنجاز المهام. وبالمثل, حين يتم الدمج بين تقنيات معالجة المعلومات الحديثة, وتقنيات الهندسة الوراثية, يصبح ممكناً تطوير وإنتاج الأدوية المساعدة على تجديد النوع البشري, أو الخدمات الطبية ذات الصلة بهذا التجديد.
وكما يتضح, فإن المسألة كلها في نهاية الأمر, إنما تتوقف على قدرة المجتمع على تعزيز موارده, وإتقان مهارة استخدامها وتطويرها. وإذا كان في وسع المجتمعات البشرية في الماضي, إنجاز هاتين المهمتين من أعلى الهرم, فقد أصبح في مقدورها اليوم, إنجازهما من أسفل الهرم, لا من أعلاه. ذلك أن الموارد تتبع أنماط الثقافة السائدة وتعكسها تماماً. وفيما لو حدد مجتمع ما, رؤية مغايرة للكيفية التي يستخدم بها موارده ويوظفها, فسرعان ما سيكتشف أنه ينعم بموارد لا حصر لها ولا عدد. وعليه فإن ما يجب لفت النظر إليه, هو أن الموارد لم تكن يوماً غائبة عن حياة مجتمع ما من ا

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟