صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

صحيفة.. وفنجان قهوة

بعد أن أعلنت بعض الصحف العريقة في مناطق مختلفة من العالم، والتي تحمل الواحدة منها على ظهرها مائة عام من العمل الصحفي اليومي ويزيد، واستنزاف ملايين الأطنان من الورق والحبر والمحروقات، عن تخليها نهائياً عن طبعاتها الورقية، وإعلان انبعاث طبعتها الإليكترونية، هل يعد ذلك دقّاً لآخر المسامير في نعش الصحافة الورقية التي ظلت قروناً طويلة من الظهور والتطور حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من مكانة رفيعة تعد نهاية النجاح، وبدء خيوط الأفول؟ هل يعد إنذاراً أخيراً لكل صحف العالم الورقية أن تعد عدتها، وتنجز ظهورها الإليكتروني مبكراً، فالوعد والمستقبل للإليكترون، والوداع للورق، هذا الكلام حينما طرح قبل عشرين سنة، لم يصدقه أحد، وتحزب المحافظون خلف متاريسهم الورقية، ونادى التقليديون بغزو صحفي وثقافي جديد، وظلوا يبكون ماضيهم الذي يرونه جميلاً هكذا دون أن تضربه عواصف العصر والتحديث، وسخر المتهكمون من أحاديث الصحفيين الجدد، وعدوهم براعم صغيرة تحاول أن تناطح برأسها الرطب جدران صلدة، قليلون من كانوا يملكون تلك الرؤية الثاقبة، ويحلمون برؤية مغايرة لتغيير الحال، وظهر في صف المجددين، وساعدوا حلمهم الإليكتروني أنصار البيئة، وأحزابهم الخضراء نتيجة ما يتعرض له الشجر والغابات في العالم من جز وتقطيع دون رحمة حتى أخلت تلك العمليات القاتلة للشجر بالبيئة، وبالأوكسجين الذي نتنفسه، فقد كانت الصحف أول هؤلاء القاتلين، وأكثرهم شراهة، وخرج المحاسب الذي يعد الأصفار دون ورع أو وجع، وزاد من هموم الصحافة الورقية وما تسببه من خسائر في الصرف، وفي الكم الهائل من الموظفين، لا يمكن أن يعوضها تدفق الإعلانات، وزيادة الاشتراكات، والمبيعات، فهذه الأقانيم الثلاثة التي ترتكز عليها الصحافة في تناقص مستمر، وذهب بعضها للجديد، والأرخص، فالإعلانات هي عرضة لأي هزات اقتصادية، وتدهور الأوضاع المالية، والاشتراكات ما عادت مزدهرة إلا من خلال الدعم الحكومي أو شبه الرسمي لأي صحيفة، وعرضة للانقطاع بسبب ترشيد الإنفاق أو نتيجة ردة فعل لما تكتبه الصحيفة ولا يعجب المسؤولون، أما المبيعات فقد غاب عنها ذلك القارئ المخلص الذي يبكر فجراً ليتناول صحيفته من «الكشك» ليتابع آخر الأخبار، فالأخبار مرسلة على مدار الساعة وبالألوان، وما عاد ذلك الموظف المتقاعد الذي يفّلي الصحيفة فلّياً وهو يحتسي فنجان قهوته، ويشتهي سيجارته، وغاب ذلك العجوز الذي يتأبط الصحيفة وهو عائد إلى البيت كجزء من تفاصيل يومه الممل، لقد تغيرت الحياة، وتغير إيقاعها، وهجمت وسائل الاتصال الجديد والسريع والمتفاعل والرخيص، وغدا كل شيء في كفك بفضل الأجهزة الذكية، تنتقل معك، وتتفاعل معك، وتجعلك شخصاً عصرياً بمفهوم الكلمة، ولكم أن تتصوروا شخصاً كان يحمل معه إلى المنزل ست صحف على الأقل، واليوم لا أمر مثل ذلك الإزعاج يرهقه، يقرأ صحف العالم الإليكترونية بفرح وسرعة ومجاناً! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء