صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حبيس المطر!

يمكن أن يحاصرك المطر، وتظل أسير ردهة فندق متعال، يمنعك من التلذذ بعبق المدينة التي جئتها على وجل وعجل، يمنع عنك صباحها السمح، وهي تبوح بسر التطهر وعافية الماء، ما زالت هي المدينة التي لا يمكن أن تشعرك، إلا كما وصفتها قديماً متفكهاً: أنها موطن للتقاعد المبكر، وملاذ للسياسيين الذين لم ينجزوا مشروعاً ما، تحمل شيئاً من ثقل الصدر، ومما يردد المشيعون، حين تفقد مدينتك الغالية على القلب رمزاً جميلاً فيها، وشخصاً عزيزاً، لم يمر عليها يوماً هكذا، وتودعه كآخر طقس للاحتفاء بالغياب، وإنا إليه راجعون! تثقل مدينة الفرح بيروت بشيء مما قد يعلق بطرف ثوبك من أذى الطريق، وببعض ما يفرحون، يحبسك ويجلسك المطر عنها، وتكتفي بمشاهدة طُهر الماء الغائب عن بعض الناس، وتتذكر أنهم كحجارة الطريق تبقى تنتظر طويلاً، فلا تجد إلا حوافر دابة تمر عابرة، وغير سائلة، فالطريق وما عليها تتساوى تحت حوافرها! كانتا فقط ليلتين، ليلتين فقط، حين تحب أن تكافئ فيها النفس، كعادتك على ما سرّها أو غم عليها، لا تعنيك الأمور بقدر ما يعنيك ترميم النفس التي تحب أن تكون أمّارة بالحب دائماً، لا يعنيك أبداً تفاصيل أناس لا يعرفون الحياة كما ينبغي أن تكون الحياة، ويكون الصدق، ويكون الخير، فهم قد عرفوا الكذب مرة فصدّقوه، وعرفوا الحسد مرة، دون أن يطعموا مرّ مذاقه في الحلق فاستطيبوه، وعرفوا الأذى مرة، وحين تورمت نفوسهم كرروه! هم كثر ولا يعنون إلا أنفسهم، ولا يفقهون: مثل امرأة فاسدة أنوثتها، تشغل نهارها بفليّ الرؤوس، فلا تجد فيها ما يمكن أن يفرح عطنها، إلا ما دسته أصابعها سود الأظافر.. كأخرى مثلها كلما دخلت باباً ضاق بها، لأن الرأس كبير بفراغه كثمرة يقطين نفشت فقط لموسمها الخاطف.. كأخرى مثلهما تبحث عما يرفعها في كلمات الرجال، فلا الكلمات قادرة أن تسندها، ولا الرجال مقتنعون بحمل همها، ولا قانعون بوهنها! كرجل خاف وخان.. وآخر مثله لم يعرف أن للوطن ضريبة الانتماء.. وآخر مثلهما كان يرجو الغنيمة والهريبة، ولا يبالي بسواد الوجه! تحمل أثقالك، وثقل الصدر، وتقصد مدينة تحبك، وخبرت صبرك، وتدري بحبك، مرة دثرتك بما عندها، فكان الدفء، وربّتت على حمامة القلب، فكان الأمان، وفضل الرحمن، حضتك ببعض ما تملك من ألوان الحياة على وهج الحرف، وحمل صليب الآلام، فكان الشفاء، وكانت الحياة! ليلتان كانتا كافيتين لأن يكون صبح اليوم مشرقاً مزهراً، كانتا كافيتين لأن يعود المُعنّى بحبكم، ينبض بحبكم.. ويتمنى أكثر، وأكثر!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء