صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

حينما تجتاز غابة النخيل الكثيفة صاعداً إلى الثقيبة، ثم إلى الصاروج، ووادي العيني أو الداوودي الذي تختفي وراءه الحكايات في بنائه وحفره، من قبل رجال أتوا من مكان بعيد يسمى “الجلعة” وشقوا طرقاً ذات حسابات تحت الأرض، ووصلوا عروقه بمياه دائمة تغذيه إن شح المطر، ولم يستجب لصلوات الاستسقاء ذاك العام، حتى لتكاد تختلط الحقائق بالأساطير، ويتدخل الرجال الواعون في حضرة الممنوع والكفر، حيث يردون الأمر إلى الجن والعفاريت التي كانت تؤمر بأمر سليمان، وداود ابنه، غير بعيد عن تلك المياه يرقد ولي في قبره لا نعرف من أين أتى ولا من هو، كعادة هذه المزارات لابد أن تحيط بها الأسرار والألغاز، ولابد من مخيلة لكي تستوعب كل هذه القرابين التي تقوم عند رأس الميت المؤمن المقبّل غرباً حيث القبلة صبيحة كل يوم جمعة، سيأتي غرباء، ويجاورون الولي، بعضهم يقولون إنهم من أتباعه، وبعضهم مأمورون أن يقطعوا تلك الأميال ليصلوا إليه، ويبللوا رأسه بقطرات من الماء الجار، سيظهر رجل، ويستطيب تلك المجاورة، ويبني محجراً يحرق الطين ويبيع للأهالي جحال الشرب والخروس، وحب الماء، والمداخن، وهناك من يأتي من عُمان القريبة يسف السمّيم والصراريد والمجاب والمهاف المصنوعة من خوص النخيل. عند قبر الولي كانت النساء يمرّغن وجوههن بتراب قبره، ويطيبن رأسه بماء الورد والكافور والعطور، ينذرن له إذا ما تأخر حمل إحداهن، أو جاءته امرأة “مدارسة” حيث اعتقاد تخالط الحامل مع المرأة العروس، وإنذار بشر احتباس الخصوبة، أو من سمعن بتهديد أزواجهن بجلب الزوجة الثانية، أو رغب أزواجهن بإنجاب ولد، بعد خلفة بنات متقاطرات كسلسلة يتمنى الرجل أن تنقطع، كان الأهالي يعتقدون أن الرحلة لذلك الولي، وقبره الذي تحيط به الأسرار توازي أجر رحلة الذهاب إلى الحج التي يمضي الناس في قطع مسافاتها على ركائب صعبة لأشهر في الذهاب، ومثلها في الإياب. المعترض، المويجعي، هيلي، المسعودي، القطارة، والجاهلي، هذه الضواحي التي تكوّن هذه الواحة، كان في يوم من الأيام السير لها أو المجيء منها يتطلب ركوب دابة تقضي الساعات في المشي والتقاط الحشائش، والرمث أو شجر صحراوي يلوك العطش، وحرقة التراب، لا فضلات على الطريق، ولا بقايا أكل مرمي، فاللقمة بالكاد تكفي الأفواه التي في البيوت، الجاهلي هذه القلعة التي بنيت قديماً ستصبح مركزاً للجيش البريطاني، وإحدى نقاط تبادل وتبديل الكتائب العسكرية البريطانية في المنطقة، وفي الجهة المقابلة وعلى مسافة بضعة عشر كيلومترا منها ستكون قلعة أخرى لكنها مبنية على شكل مربع ومنها ستكسب تسميتها “المربعة” وستكون سجنا ومركزا للحرس، ستتعدد القلاع والحصون والغُرف التي كانت جلها مبنية بالطين والتبن وأخرى مطلية بالنوره والجص، سيكون لكل قلعة تاريخ وأسماء لعبت دوراً في الدفاع عن هذه الأرض. ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء