كان الخبر كالتالي: “5117 مواطناً قدّموا استقالاتهم من وظائفهم في الوزارات والمؤسسات والهيئات الاتحادية والدوائر المحلية والقطاع الخاص خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي 2010”، وهو خبر لا بد أن يستوقف أكبر المسؤولين في الإمارات المعنيين بمسائل التوظيف والموارد البشرية، وتحديداً أولئك المناطة بهم قضايا التوظيف والتوطين، في القطاعين العام والخاص الذي استحوذ بمفرده على 41,2 %.
سيتوقف كل صاحب مسؤولية عند هذا الخبر بطريقته الخاصة التي تخص المهمة الموكلة إليه، لكن قراءة متأنية لمضمون الخبر لا شك ستسبب انزعاجاً حقيقياً لكل مواطن يحمل مواصفات المواطنة الحقيقية، فلطالما تحملت أجهزة الحكومة الكثير من أجل الوصول إلى أرقام مرضية، فيما يتعلق بالتوطين، ومع كل هذه الجهود إلا أن المجتمع لا يزال غير راضٍ عما وصلت إليه نسب التوطين في القطاع الخاص تحديداً وفي القطاع العام بشكل من الأشكال مع تفاوت في الوظائف والمؤسسات، إلا أن هذا المجتمع لا بد أن يعي أن مسؤولية التوطين مشتركة، ولا يمكن أن تسير قدماً إلى الأمام برجل واحدة!
وكما أن الحكومة بجميع أجهزتها مسؤولة عن وضع الخطط والاستراتيجيات وإعلان رؤية واضحة وصريحة فيما يتعلق بهذه القضية المحورية جداً والوطنية جداً، ورصد الموازنات وتهيئة الظروف والمحفزات ومتابعة التنفيذ، فأن الأمر لا يمكنه أن ينجح ما لم يتفاعل الطرف المهم في القضية، وهو المواطن من أجل إنجاح كل هذا المخطط!
سيقول كثيرون إن الاستقالة تتم نتيجة ظروف عمل سيئة يجد بعض نفسه فيها، وسيقول آخرون إن هناك من يعمل على “تطفيشهم” من وظائفهم، وسيتحجج آخرون بصعوبات العمل مع مديرين سيئين أو بيئة عمل غير مقدرة للتميز والإخلاص، بينما ستسرد كثير من النساء والفتيات وكذلك الشباب، جملة من الأسباب المنفرة من وجهة نظرهم والتي تسببت في تركهم العمل، وتحديداً من القطاع الخاص رغم محاولتهم البقاء طويلاً والصمود، رغم المضايقات والظروف الصعبة.
مع ذلك ومع تقدير الجميع لكل ما سيقال، إلا أن المسؤولية الاجتماعية المشتركة توجب البقاء في العمل والتكتل من أجل تعديل المناخ أو التخفيف من سوئه أو محاربة طابور “التطفيش” وأعداء النجاح؛ لأنه ليس أسهل من الخروج هرباً من الاختناق في بيئات العمل السيئة، لكن ما جدوى كل ما تحاول الحكومة تنفيذه وما جدوى كل النجاحات التي نحققها إذا لم نمتلك القدرة والشجاعة للمحافظة عليها وتثميرها والدفاع عنها؟
بحسب الخبر، فإن نائب مدير هيئة المعاشات والتأمينات الاجتماعية وصف هذه الاستقالات بأنها “كبيرة ومقلقة ويجب الوقوف عندها؛ لأنها مرهقة لميزانية الهيئة، وهنا فإن دراسة الأرقام وتحليلها تكشف قضايا في غاية الخطورة ربما أكثر خطراً من خسارة بضعة ملايين مع تقديرنا لأهمية الحفاظ على الموارد البشرية واستثمارها لصالح الإنسان وخيره دوماً”.
لكن استقالة الشباب الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من أعمارهم، وترك العمل بعد 5 أو 8 سنوات، واستقالة الذكور بنسب عالية تفوق الإناث، ومؤشرات أخرى تحتاج دائماً إلى قراءة صحيحة ومتأنية، لمنع هذه الظواهر الاجتماعية التي بلا شك تشير إلى خلل وظيفي أولاً وإلى حالة من عدم الاستقرار، وإلى أزمات حقيقية في بيئات العمل، وهذا بحد ذاته يحتاج جهوداً في سبيل الكشف عن كل ذلك.


ayya-222@hotmail.com