كعادتي كل يوم أقرأ مقالكم الجميل في الاتحاد، موضوع المدرسين والطلبة، وكوني مدرساً فقد شدني الموضوع وأوافقك في كثير مما ورد في تفاصيله، ولكني ربما لأن عمري 30 سنة، فأنا أرى نفسي شاباً وأرفض أن تضعني في نفس الإطار الذي وضعت به المدرسين ذوي السيارات المتهالكة· وأنا هنا لست بوارد الدفاع عن زملاء المهنة الذين سبقونني، فربما ستجدني بعد 20 سنة - إذا بقيت مدرساً - بنفس حالهم، والسبب الرئيس لذلك ليس شخصياتهم ولا خلفياتهم الثقافية - مع أهميتها- بل السبب هو الوضع الاقتصادي المتدني للمدرس مقارنة بغيره من الوظائف أو الأعمال في عصر الطفرات والانترنت ومتطلبات السوق الاستهلاكية، فراتب المدرس العربي في الإمارات، وهو من أفضل الرواتب، قياساً بدول أخرى لا يتعدى الـ 5000 درهم، وهو كما تعرف أنت لا يكفي مصروفاً لشاب أعزب، فكيف بإمكان هذا المدرس المسكين أن يتدبر أمره، وأمر عائلته، خصوصاً بعد أن بلغ أولاده مبالغ الصبا، وبدأت طلباتهم الضرورية من دراسة وملابس وعلاج، وطلباتهم الكمالية - من وجهة نظر المدرس المسكين- من موبايلات وانترنت وقصات شعر غريبة· أنا شخصياً أرى أن المدرس مسؤول عما آل إليه وضعه المتردي، وأنا لا آلو جهداً في البحث عن وظيفة - محترمة أكثر- للحصول على راتب أعلى لتجنب المصير الذي أشرت اليه في مقالتك، لأنه وبرغم إيماني الكامل برسالة المدرس، ودوره المؤثر في تقدم الأمم، أرى أن زمننا هذا ليس للمدرسين والبناة والصالحين، بقدر ما هو للعوالم والراقصين والمطربين وبائعي الأحلام والنصابين· وحتى يأتي ذلك اليوم الذي تسير فيه الحياة بمثالية، سيبقى المدرس رهين المحبسين، محبس المثالية، ومحبس الإملاق، وسيظل مثار سخرية التلاميذ وآخرين من جهلة المجتمع الذين رأوا أن مجرد حصولهم على راتب أفضل يعني أنهم أصبحوا في وضع علمي واجتماعي أفضل، مع أن تجربتي الشخصية تجعلني أومن بمسألة أن المدرس يقتل موهبته، ويحطم حلمه بمجرد أن يرضى بامتهان التدريس، ويسلك في درب التعليم، لا يعوضه شيء غير أنها رسالة قدسية، كانت للأنبياء والقديسين والمفكرين عبر عصور الحضارة الإنسانية، لأن المتعثرين من الطلبة في الدراسة والذين درسوا في تخصصات لم نكن نقبل أن ندرسها نحن المدرسين أيام الأحلام الأكاديمية العظيمة - كان الحلم أن يكون الواحد منا عالم رياضيات أو فيزياء أو مهندسا عبقريا - كإدارة أعمال أو إعلان أو ''جرافيك ديزان'' أو غيرها من التخصصات التي لا تتطلب مجهوداً عقلياً كبيراً ولا عبقرية فذة لإتقانها، أصبحوا بحكم العولمة وصناعة الإعلام هم صفوة المجتمع وعباقرته الجدد· عموماً: هذا حديث يطول ويتشعب، أشكر لك صراحتك وجرأتك على المدرسين الذين تحبهم بالتأكيد، لأنهم يستحقون أن ينتبهوا، ولا تأخذهم أيام الحياة، وهم مغلقون عليهم أبواب الفصل وسور المدرسة ومحيط الوزارة ودائرة الزملاء الأفاضل، لأن ثمة أشياء كثيرة وجميلة ومفرحة تحتدم خارج ذاك النطاق المحصور وباتجاه آفاق التجديد، وأتمنى لك ولكل أمتي العزيزة الخير كله، وأنه كلما كان المدرس معززاً مكرماً ونوفيه التبجيلا، كان مجتمعنا زاخراً بالوعد والمواعيد للغد الأجمل·