من أكثر الأمور قسوة على الإنسان أن يشعر أنه مهضوم الحق، مظلوم، مكظوم، وأن عمله كله وقبض الريح، حينها يشعر أنه كائن زائد عن الحاجة، فيبدأ بالاضمحلال والاختفاء من المشهد بوجع· من الأشياء التي تفرح قلب الإنسان كبيراً كان أم صغيراً، هدية بسيطة وجميلة تصله وتتذكره، وتذكّره بأنه ما زال في القلب وفي الذاكرة· من الأمور التي يمكن أن تدخل السرور على النفس، أن تلقى نجاحاً مقبلاً، وأن ترى فشلاً مدبراً· كلّ النفوس تتمنى أن تتعثر في طريقها بكلمتين: شكراً أو جملة طيبة تحملَ كلمة طيبة سارت بها ريح طيبة· بعض الوجوه تحمل في محياها وسيمائها الرضا والحبور، تتمنى أن يصطبح بها نهارك أو تختم بها ليلك· بعض الوجوه حين تراها تستعيذ منها بخالقها، تشعر أنها مصفرّة، وتعبة من الحسد، منهوكة من الحقد، السكر قد أذاب بريقها والضغط قد ساوى بملامحها، حين تراها لا تفكر إلا بعاقبة الحقد والعذاب وذاك الضيق الذي يعرّي عظم الإنسان· أحياناً تتمنى أن لا ترى غصناً أخضر مكسوراً، ولا وجهاً طيباً معذوراً، ولا رجلاً أكبر منك، يقوده الضعف والسؤال، وبعض من تلك الأشياء التي تغضب العزة والكرامة· أكثر ما يبكيني حدّ الوجع، رؤية شخص من الوطن القديم، وهو تائه في المدينة الجديدة أو من حديث الناس في الزمن الجديد·· تراه وكأن المدينة لم تعرفه، ولن تعرفه، رغم أنه يتذكرها بعمق وحب، ويتذكر أشياء كثيرة فيها غير الصدود والنكران· ليس من شيء حارق كالذي تشعر به، وكأنه من حطب جهنم، حين ترى جداً لا يعرفه أحفاده أو جدة يفصل بينها وبين أبناء بناتها وأولادها خطوات صغيرة هي مقدار ما بين البيت وبين مستشفى عدواني بارد أو دار للعجزة شبه مهجور· لو قتلتنا بعض الأشياء، وحاول دفننا بعض الناس، فلا بدّ أن يحيينا ما يعتمل في دواخلنا من فضيلة المعروف، وما ينتظرنا في محطاتنا الأخيرة من أماكن تاجها الخير وسيماؤها البِشر والفرح· بعض الأشياء تتمنى أن تطرق بابك ولو مرة واحدة، تتمنى لو تلتقيك عند خاصرة الشارع ولو مرة واحدة، تتمنى لو أنها تقبض عليك متلبساً بالحبّ والودّ والضحكة الحلوة ولو مرة واحدة·