صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

«ولا مؤاخذة»

يصعب أن يقرأ الإنسان نفسه بعمق، ويفلح في تلمس مشاكله ومكامن الخلل فيها، ولكن الصعوبة تقل عندما يكون هذا الفعل موجها لقراءة الآخرين وتحليل نفوسهم وتقييم سلوكهم. ولأن الحياة قصيرة، تأتي أهمية الأعمال الأدبية التي تقدم لنا فرصاً كهذه في قراءة الآخرين وتقييم سلوكهم والخروج بأفكار ومبادئ عامة حول الحياة التي نعيشها، لنرسم لغة خاصة بأبجديات مختلفة لقراءة أنفسنا، لنضيء الطريق الذي نريد أن نُكمل فيه مشوار الحياة. تقدم بعض الأعمال الإبداعية هذه الميزة، وخصوصا تلك التي تحكي عن آخرين من بيئات مغايرة، حيث نكون فيها بوجوه مختلفة وفي أماكن مختلفة وديانة مختلفة، نكون على الهامش، لا نكون محوريين في العمل. تسمح لنا هذه الأعمال برؤية -عبر سلوك الآخرين- حضورنا الحقيقي في حياة الآخرين، حيث تتدافع فيها عشرات المشاهد التي نعيشها بتفاصيلها وبدلالاتها. وما تفعله بنا المشاهد المصورة في مثل هذه الأعمال، علينا استثماره في قراءة المدلولات التي تتجاوز زمن العمل وبيئته، وإعادة تطبيقها على أنفسنا وأفكارنا وتصوراتنا حول الآخرين. في فيلم «ولا مؤاخذة» للكاتب والمخرج عمرو سلامة إنتاج يحكي عن طفل مسيحي اضطرته ظروف والدته المادية إلى نقله لمدرسة حكومية، ويدور الفيلم في قالب كوميدي بسيط جدا، ولكنه في غاية العمق. إذ لا يمكنك خلال المشاهدة إلا أن تنصهر ذاتك مع شخوص العمل، فتصبح أحد شخصياته، وتتجرد من مادية المشهد، لتتأمله بطريقة أعمق من مجرد كونه عراكا بين أطفال مختلفين في المدرسة، وإنما عراكاً بين نفسك والآخر المختلف معك. كان الاختلاف الديني – ولازال - لدى البعض سبباً مبرراً لارتكاب الكثير من الأفعال ضد المختلفين، غير أن دائرة الاختلاف أخذت في الاتساع لتشمل كل من حولنا ولا نتفق معه! لعل الفعل الأخير نتيجة للحالة الأولى، فالقدرة التبريرية لدى الإنسان والتي يعتقد فيها أنه يمتلك الحق (باسم الحق الإلهي) في محاسبة الآخرين، لا يمكن إلا أن تنفرط لتصيب كل الاختلافات حولنا. ولأننا لا نملك قدرة التعامل مع الأفكار المختلفة، فإننا نتحول إلى محاربة أصحابها، باستخدام الحق الإلهي في محاسبتهم، فنقتل بسلوكنا هذا الجمال والإبداع والأحلام، ونشوه أصحابها ونسحلهم مادياً، غير أننا في الحقيقة لا نشوه إلا أنفسنا.

الكاتب

أرشيف الكاتب

«الجزء» الأعظم

قبل 3 أيام

بيت «حصة»

قبل أسبوع

أساس البناء.. الهدم!

قبل أسبوعين

مجرد.. صورة

قبل 3 أسابيع

تقاليد هشة!

قبل شهر

اليد الطولى!

قبل شهر

قواعد وحدود!

قبل شهر

الانحياز.. أمانة

قبل شهرين

فقط.. 19 ثانية

قبل شهرين
كتاب وآراء