يحق للإماراتيين أن يحتفلوا بعيدهم الوطني على طريقتهم. يحق لهم أن يبتهجوا، وأن يرددوا الأهازيج، وأن يدبجوا القصائد الفصيحة والنبطية، وأن يجعلوا الموسيقى الوطنية تصدح من سياراتهم على الكورنيش، وأن يزينوا بيوتهم بألوان العلم والرموز الوطنية.. وقبل هذا وذاك، يحق لهم، أن يتلوا آيات الرحمة على ذكرى قائد المسيرة، المؤسس والباني، وأن يظهروا آيات الاحترام لمن اهتدى وتابع وآمن بالمستقبل الواعد بقدر تمسكه بالماضي الزاهر.. يحتفل الإماراتيون، بذكرى قيام دولة الاتحاد كتقليد جروا عليه، منذ أن ظهر إلى الوجود السياسي والوطني هذا الكيان. والاحتفال بالأعياد الوطنية، ليس احتكارا إماراتيا. هو تقليد وطني في مشارق الأرض ومغاربها، وخصوصا عند الشعوب العربية، منذ أن بدأت الكيانات العربية المستقلة بالظهور في العقود الأولى من القرن العشرين. لكن في خضم الاحتفالات الوطنية العربية، يبدو الاحتفال الإماراتي هذا العام ـ وخصوصا هذا العام ـ احتفالا عربيا خالصا، بما يدل عليه، وبما لا يدل عليه أيضا.. بمعنى آخر: يأتي احتفال الإمارات بذكرى قيام كيانها السياسي الحديث وبمرور أربعة عقود عليه، وبرسوخ بنيانه، وتعزّز مؤسساته، وتأصّل دوره، على قواعد الاستقرار والتطور والنماء.. في وقت أصبحت فيه الاحتفالات العربية خفرة، أو نادرة، أو متعذرة. هنا يبدو المعنى العربي في الاحتفال الإماراتي. فالإمارات تحتفل بالوحدة والاتحاد، في زمن الفرقة والتباعد. تحتفل بالسلام والإطمئنان، في زمن الإضطرابات الداخلية والاهتزازت المجتمعية، والحروب المتعددة الجبهات. تحتفل بتقدم مسيرة التعليم، والطبابة، والرعاية، والتنمية، فيما تكافح مجتمعات أخرى من أجل اللقمة، ويتطاحن أفرادها في مطاردتهم للفرص الضائعة، فيطحنون وينطحنون. تقدم الإمارات نموذجا للكرامة الإنسانية، الفردية والجماعية، فيما تتلطخ نماذخ عديدة أخرى بالدماء وبوحول الإمتهان.. كأن الاحتفال الإماراتي باليوم الوطني الواحد والأربعين، يوم قيام دولة الاتحاد وانطلاق مسيرتها الراسخة والدؤوبة، يقدم درسا بليغا عن حال الدولة الوطنية العربية في التو واللحظة. لقد نشأت الدولة الوطنية العربية، ونماذجها في المشرق والمغرب، في لحظة خروج الاستعمار من الباب، فيما ظلت شبابيكها مفتوحة له ولمن يشبهه. صحيح إن قوى المجتمع الحية توافقت في تلك اللحظة الحاسمة، على ملء الفراغ.. لكن، يتضح الآن وبعد عدة عقود، أنها ملأته بنظام وليد وليس بكيان وطيد. كل القوى، التي حكمت والتي عارضت، شاركت في ارتكاب الخطأ الزلزالي الذي يتحكم بنهضة ومسار الأمم. أي عندما يتقدم النظام على الكيان. أي عندما تصبح بلادة النظام، معيارا لاستمرار، أو عدم استمرار الكيان نفسه. وهنا تكمن المفارقة والخطورة في ما اصطلح على تسميته بالحراك العربي أو “الربيع العربي”. فالكيانات الوطنية، في العديد من التجارب هي المهددة بالزوال، وليست الأنظمة هي المهددة بالسقوط.. تستوي في تحمّل المسؤولية، عن هذا الخطر المحدق، السلطات ومعارضاتها، فهذه أكلت من خبز تلك، وتلك خبزت من عجين هذه.. هذا الدرس ودلالاته، نقرأه من خلال الاحتفال باليوم الوطني الإماراتي. فالمعنى الفولكلوري الظاهر في كل احتفال وطني في العالم، من فرنسا إلى روسيا، ومن الولايات المتحدة إلى الصين، لا بد أن يفرج عن كوامن تأتي عادية في السياق.. لكن في الحالة الإماراتية (والعربية) فإن الكامن يتقدم على الظاهر، والعادي يتراجع أمام الاستثنائي.. الآن، وهنا، يقدم الاحتفال بالذكرى الواحدة والأربعين لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، تذكرة للجميع لكي يعبروا فعليا من النظام إلى الكيان، من الدويلة إلى الدولة.. ..ولكم في الإمارات قدوة حسنة.. عادل علي adelk58@hotmail.com