صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في قريتنا أناس يتطهرون -2-

في حمى الانتخابات، سربت الحكومة لمندوبيها أن يخرجوا مثل إبراهيم من تشريف البلدة، وفهمت الرسالة بدقة: أن لا نجاح لأمثال إبراهيم في الانتخابات القادمة، وحده ابراهيم -السياسي كما يفترض به- لم يفهم، حتى اضطرت كل السلطات إلى أن تتدخل، وتحاول إفهامه بطريقة ما، لكنهم كانوا عاجزين عن إيجاد الحيلة التي قدمها لهم إمام المسجد بطريقة مجانية، كوفئ عليها فيما بعد، بدأت الإشاعة تسري في الناس أن ابراهيم لا يصلي دائما، لكن الأهالي تجاوزوا عنها لأنهم هم أيضا غير مواظبين على الصلاة في أوقاتها، فحقولهم تريد رجالها، والماء إن لم تلحق به في أوقات شربها تسرب بين الأصابع، وما كانت متكلة عليه من ماء تغدقه السماء، ويجلبه الدعاء، تأخر كثيراً ذلك العام، لذا كان تقدم إبراهيم لا يعوقه كل تلك الأقاويل، والتي يصر الإمام أن يقولها مع تفخيم في الصوت، وعينان تلولبان في محجريهما، كمدافع يتقاصر، ومهاجم غير مستميت عن قلعته الخائنة. وفي اللحظات المثقلة بهمّ السياسي القديم، شعر إبراهيم أن النجاح أو الهلاك لا محالة، فبدأ يقصر في واجباته الاجتماعية، مقابل التخطيط اللوجيستي لحملته الانتخابية، فقصرّ أول ما قصر في عطائه للإمام حتى صواني الأكل ظلت تصل متأخرة وباردة، ولا تسمن أو تغني من جوع تاريخي في سلالة الإمام الشرهة والمشتهية أكل الناس. الامام الذي أبصر المال من خصم إبراهيم وشكره عليه كثيراً، قدم له حيلة لعينة أخرى، وتكفل بتسريبها بين الناس، مدعياً أن إبراهيم يبول واقفا مثل الكلب، ولا يتطهر من نجاسته، وهو أمر لا يسر المسلمين، ويخالف ما تنزل على الرسول من قول مبين. وهكذا سقط إبراهيم في الانتخابات، وفاز خصمه السياسي كما كان يدعي، لأنه لم يعرف عنه التبول واقفا أو عدم الاستنجاء أو التطهر، رغم أنه لم يكن معلما محترما، ولا مدير بريد أميناً أو طبيباً ريفياً مخلصاً، ولا محامياً ناجحاً، وكاد أن يكون إماما جاهلا، وقاضيا في النار. لم يعد الناس يصدقون إبراهيم أو يستشيرونه أو يقربونه أو يتقربون له، ولم يعد إبراهيم مشروعا لمعلم صادق أو مدير بريد أميناً، ولا طبيباً ريفياً كمهنة مجبر عليها، ولا محامياً ناجحاً، مثلما لم يكن إماماً وقاضياً من قبل. كانت سقطة إبراهيم التي لم يعرف عنها بعد، أنها بسبب تلك الإشاعة التي أطلقها الإمام وصدقها الناس الذين كان يدافع عنهم، كانت عبارة عن أنه كان يتبول واقفا مثل أي كلب، ولا يتطهر من النجاسة تسري في البيوت وتتبعها ضحكات لا تنقطع وعلامات دهشة، تختتم بتعجب من النساء: “إبراهيم.. الله يخسك يا الخايس”! وكبار السن رجعوا لتسميته القديمة، وهو صغير: “إبراهيموه”! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء