صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

ويلات الحرب الأميركية على العراق / الكاتب: بوب هربرت

"ليس هناك شيء غاية في الجمال والروعة.. ليس هناك شيء دائم الجِدة والإدهاش.. ليس هناك شيء مترع بالعذوبة والنشوة الدائمة.. مثل الخير".
( الفيلسوفة الفرنسية سايمون ويل).
"لا ينتابني أدنى شك في أن الرب قد ملأ يده الآن". (الأب "تيد أوزوالد" في القداس الجنائزي لـ"مارلا روزيكا").
في حادث مروع وقع في ربيع عام 2003، أي في بدايات الحرب التي شنتها أميركا على العراق، قامت امرأة عراقية بقذف اثنين من أبنائها هما طفلة رضيعة وطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرهما عامين، من نافذة السيارة التي كانت الأسرة تستقلها، والتي أصيبت بالمصادفة في هجوم صاروخي أميركي.
وأسفر الهجوم عن مصرع المرأة وعائلتها على الفور، حيث تفحمت جثثهم بسبب النيران التي اندلعت عقب ضرب السيارة. الطفلة الرضيعة الذي كان اسمها "زهره" أصيبت بحروق خطيرة، استدعت نقلها إلى المستشفى حيث فاضت روحها إلى بارئها بعد مضي أسبوعين على الحادث المروع. أما الطفلة الصغيرة واسمها "حراء" فأصيبت بإصابات طفيفة، ونجت من الموت، وتم تصويرها مؤخراً وهي جالسة على حجر "مارلا روزيكا" وهي عاملة في مجال المساعدة الإنسانية من ولاية كاليفورينا، لقيت مصرعها منذ ما يزيد على أسبوع محترقة في سيارتها التي تم تدميرها جراء هجوم انتحاري في بغداد.
إن تلك المعاناة الرهيبة، وحوادث الموت البشعة التي يتعرض لها المدنيون العراقيون كنتيجة للغزو الذي قادته أميركا على العراق، قد تم حجبها - أو حجب الجزء الأكبر منها- بعناية فائقة بعيداً عن أنظار وضمير المواطن الأميركي العادي. وفي رأيي أنه ليس هناك موضوع لا ترغب الإدارة الأميركية الحالية في الحديث عنه مثل هذا الموضوع تحديداً. والسبب في ذلك هو أن تلك الإدارة لا تستطيع بالطبع أن تبرر قيامها بقتل الأطفال ولا تستطيع أن تضفي أي قيمة أو معنى إيجابياً على ذلك.
أما بالنسبة للصحف ووسائل الإعلام الأميركية بصفة عامة، فلديها من الموضوعات التي تغطيها ما هو أكثر إثارة من معاناة المدنيين في الحرب. فالنفور من هذا الموضوع يتناقض تماماً مع الاهتمام المبالغ فيه من قبل وسائل الإعلام الأميركية بموت بابا واحد وانتخاب آخر، بالإضافة إلى هوس وسائل الإعلام المرضي بحركات وسكنات هذه الشخصية المشهورة أو تلك.. وما إلى ذلك من موضوعات لا تسمن ولا تغني من جوع، لم يكن هناك اهتمام إعلامي يذكر بالمعاناة التي تتواصل دون هوادة، التي يعاني منها عشرات الألوف من المدنيين في العراق. إنه موضوع يبعث على الكآبة والأسى.. وهناك للأسف فكرة ترسخت في الأذهان أو تم ترسيخها في الأذهان، مؤداها أنه يجب حماية مشاعر الأميركيين من طوفان قصص وصور الحرب، التي قد تسبب لهم الانزعاج والضيق. فنحن كأمة نستطيع أن نشن الحرب ولكننا لا نريد لشعبنا أن يكون منزعجاً جدا بشأنها.. يا له من موقف عجيب!
إنني أستطيع القول دون أدنى مبالغة أن الشعب الأميركي لا يسمع أي شيء عن القنابل الأميركية التي تتساقط بالخطأ على المدنيين العراقيين، وتؤدي إلى محو عائلات بأكملها من الوجود. ونحن أيضا قلما نسمع عن الحالات المتكررة التي يقوم فيها الجنود المتوترون عصبياً، بفتح النيران بدون تمييز، وقتل وإصابة الرجال والنساء والأطفال، الذين لم يكونوا يشكلون أي خطر عليهم في الأساس. ونحن أيضا لا نسمع الكثير عن الأطفال العديدين، الذي يتم لسبب أو لآخر إطلاق النار عليهم، أو حرقهم، أو تفجيرهم، وقتلهم، بواسطة قواتنا باسم السلام والحرية. فطالما أن الأشياء بعيدة عنا فنحن لا ندري عنها شيئا.. أو يفترض ألا ندري عنها شيئا..
وهذا النقص المزري في الاهتمام بخسائر الحرب التي طالت المدنيين، كان واحداً من ضمن الأسباب التي جعلت الآنسة "روزيكا"- التي كانت في الثمانية والعشرين من عمرها عندما لقيت مصرعها - تشعر بأنه يتعين عليها شخصياً أن تقوم بتوثيق أكبر قدر ممكن من المعاناة التي يتعرض لها المدنيون.
ففي بعض الأوقات كانت روزيكا تتنقل من باب إلى باب من أبواب المنازل الواقعة في مناطق خطرة، كي تقوم بتسجيل المعلومات عن المدنيين الذين قتلوا أو الذين جرحوا. كانت تلك الشابة الرائعة تؤمن إيماناً قوياً بأن الأميركيين بحاجة إلى معرفة ويلات الحرب وتأثيرها المروع على المدنيين، وأننا مطالبون بأن نفعل كل ما بوسعنا كي نخفف من تلك الآلام.
والهدف النهائي الذي كانت روزيكا تسعى إلى تحقيقه، والذي تعهد السيناتور "باتريك ليهاي" نائب ولاية فيرمونت بالسعي إلى تحقيقه، هو تأسيس مكتب تابع للحكومة الأميركية - يكون مقره في وزارة الخارجية مثلا- للقيام بتوثيق الخسائر في صفوف المدنيين التي تنتج عن العمليات العسكرية الأميركية، على أن يتم بعد ذلك نشر تلك المعلومات وتضمينها في تقارير، تمهيداً لدفع التعويضات للضحايا وعائلاتهم، مع القيام في نفس الوقت بدراسة وتمحيص البيانات المتحصل عليها في هذا الخصوص، في محاولة لتقليص عدد الخسائر المدنية في العمليات المستقبلية إلى أقصى حد ممكن.
إن الحرب تحفل دائما بالأحزان والمع

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟