مما لا شك فيه، أننا نعيش عصراً تنامت فيه أهمية التكنولوجيا وتقنيات الاتصال بشكل لا يجادل أو ينكر، فهذه التقنيات الاتصالية الحديثة التي تتوافر بين أيدينا في كل لحظة، خرجت عن كونها مجرد وسائل ترفيهية أو اتصالية يمكن الاستغناء عنها، لقد تمددت آثارها إلى درجة أنها صارت تعيد تشكيل حياتنا وتوجهاتنا وقناعاتنا بشكل يومي ومستمر، كما أنها أنتجت أو اخترعت لنا سلوكيات يومية واهتمامات وعلاقات لم تخطر على البال يوما. من كان يصدق بأنه يمكنه أن يرسل رسالة لشخص في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، وأن يأتيه الرد في الوقت نفس دون أن يتحرك من مكانه؟ ومن كان يتخيل أنه سيشهد بأم عينيه انتفاضات شعوب وزلازل وكوارث الطبيعة تجتاح تلك المدينة أو ذاك البلد وعلى الهواء مباشرة، من كان يظن أن الإنسان سيتخلى عن جاره وصديقه وحتى عائلته ليكتفي بعلاقات افتراضية عبر عالم مترام الآفاق، مجهول وملتبس وغير محدود اسمه الإنترنت !! التكنولوجيا تعيد إنتاجنا كبشر، وكأنها تخلق بشرا بمواصفات أخرى منحية جانبا نظرية ابن خلدون عن أن الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة، ما تفعله التكنولوجيا اليوم هو أنها تؤسس لبشر غير اجتماعيين أو اجتماعيين افتراضيا يمكنهم العيش بمفردهم مع جهاز كمبيوتر أوهاتف ذكي أو هذا الجيل من الكمبيوترات اللوحية شديدة التطور وفائقة السرعة والإمكانيات، حيث يتحول من خلالها إلى مواطن آخر بإمكانه تأسيس عالم جديد كامل المزايا والأصدقاء والحقوق والقناعات، إلى درجة أنه في أحيان كثيرة بإمكانه أن يؤدي عمله ووظيفته وأن يجني أرباحا ودخولا عالية، دون أن يغادر فقاعته الافتراضية تماما كبطل في فيلم خيال علمي !! إن هذه الأفلام التي تنتجها هوليوود لا تصنع عبثا، ولا ينفق عليها مليارات الدولارات لأجل الربح فقط، الربح عامل أساسي ورئيس، لكن التنبؤ بالمستقبل واحد من مهام صناعة السينما الابداعية، وعلينا أن لا ننسى أن هذه الصناعة التي تتحرك وتستمر بكل هذا الزخم هي في النهاية أداة خطيرة في ايدي مؤسسات عسكرية وسياسية وخبراء وعلماء ورجال تخطيط واستراتيجيا وهؤلاء لا يكفون عن البحث في شكل المستقبل والتخطيط له والسيطرة عليه كل حسب أهدافه وخططه، وبلا شك فإن هذه الشريحة من الأفلام التي تتحدث عن بشر آليين يتحركون بشرائح تقنية مزروعة في أجسادهم، أو عن طريق توجيههم بالتحكم فيهم عن بعد او بالسيطرة بشكل ما على قدراتهم العقلية ليست اكثر من محاولات لإيجاد هذا النوع من البشر تحت إلحاح رغبتهم في السيطرة على العالم وثرواته وطاقاته . إن هذا الجوع للتواصل والذي يبدو واضحا في التصاق الجميع بهواتفهم أو حواسيبهم يدل دلالة واضحة على أن الناس تسير سريعا باتجاه التوحد والفردية بحيث يتحول التواصل إلى حالة افتراضية تماما لا مجال فيها لأن تسمع صوت الآخر أو تتلامس معه أو تلقاه أو تسعى إليه فهو يسكن في غرفة الدردشة أو تويتر قريبا منك ويتنقل معك أينما ذهبت، وحتى تلفزيونك فانك غير مضطر لأن تجلس في غرفة المعيشة لتشاهده مع الأسرة يمكنك أن تشاهد فلمك ونشرة أخبارك وأحوال الطقس ومباراة كرة القدم في أي وقت وانت مندس تحت أغطية فراشك، لا داعي لأن تتشارك التلفزيون مع أحد، المشاهدة الجماعية صارت سلوكا من الماضي !!! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com