صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في قريتنا أناس يتطهرون -1-

حين تقدم إبراهيم بتربيته الدينية، وأفكاره التقدمية ضد مرشح الشعب، حبيب الملايين، حسب ما تقول لافتة الانتخابات، والتي كتبت بخط سريع ورديء، كان واثقاً من الفوز، مثلما كان واثقاً من كذب وانتهازية خصمه، دخل بحلم كبير أن يجعل من قريته الصغيرة وطناً مثالياً كبيراً، كعادة المثقفين اليساريين حين يتورطون بمثالية الأدب، وطهرانية الدفاع عن الفقراء الذين كثيراً ما يخذلون مرشحهم إن اغروا بأكلات شهية، وبقطع قماش جديدة تفرحهم. إبراهيم كان يمكن أن يكون مشروع مدرس، وهكذا فعل لبعض الوقت، كان يمكنه أن يكون مشروع مدير البريد في منطقته، وهكذا فعل بطريقة أخرى، لأن كثيراً من الرسائل التي تخرج من البلدة كان يكتبها، وجل الرسائل التي تصل البلدة الصغيرة كان يقرأها، كان يمكن أن يكون مشروع طبيب ريفي، وهكذا فعل في حدود الاستشارة، وجلب الدواء في كل مرة كان يهبط إلى العاصمة أو يسافر للمدن الكبيرة، كان يمكن أن يكون محامياً ناجحاً، وهكذا فعل في تقريب وجهات النظر التي كانت تشط إلى العنف والمخاصمة، وحتى رفع السلاح، كان يمكن أن يكون إماماً وقاضياً، لكنه لم يفعل رغم أنه كان عارفاً قارئاً، وحافظاً للقرآن، كل هذه المهارات كانت تغيظ إمام المسجد الذي يعد نفسه إماماً ومختناً وحجاماً وقاضياً وحيداً، حيث بنى سلطته عند الناس بحكم العمر والجهل، وعن طريق أبيه وجده من قبل، حيث توارث عنهم مهامهم دون مهارة تذكر، وأي فضح أو تعرية للمقام السامي للمطوع كان يمكن أن يفسرها الأهالي بطريقة خاطئة، فهادنه إبراهيم رغم أنه كان ينزع لروح جديدة وحديثة، ويريد أن يطرد الجهل بطريقة غير ثورية من قريته التي كانت لا تزال تؤمن بقبور الأولياء الصالحين. كانت الأهالي تحب إبراهيم وتعتبره شرفها ومشرفّها في العاصمة، حتى حينما كان يذهب إليه طالب أو سجين سياسي، كان يقوم بالواجب ضمن حلقات معارفه، والتنظيم السابق الذي كان ينتمي إليه وقت الدراسة، والمشاغبة السياسية، كانت الأهالي تعتبره مثلها وتاج رأسها لسبب بسيط ووحيد: أنهم لا يقدرون على مزاحمته في معارفه، والنور الذي يحمله، حتى عرف بينهم أنه “متنور .. وفاهم .. وقارئ، ويعرف الفلسفة، وكثيرون بينهم وبين أنفسهم كانوا يسمونه الفيلسوف”. والذي استحق الاحترام كله من إبراهيم، وأغدق عليه حلة من ملابس جديدة، وعين ابنه حارساً يتقاضى مبلغاً يغنيه عن إعانة أبيه التي لا تصل في موعدها، وتعينه على الزواج، وتأسيس بيت يليق بحارس عند مدير البلدية، وظل يوصل عائلة الإمام بأكلات كانت دسمة وغنية ومشتهاة .. وحده الأمام كان يخاف على سلطته من إبراهيم، ويشيع عنه أن الفلسفة خرّبت عقله، والدراسة عند الروس ضيعت دينه! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء