نظم بيتر رامزور، وزير المواصلات الألماني، حملة لحماية اللغة الألمانية من زحف وطغيان اللغات الأخرى، وبالذات الإنجليزية.
وقالت متحدثة باسم الوزير إنه أصدر تعميماً يمنع فيه موظفي وزارته من استخدام الكلمات الأجنبية، وذات الأصول الإنجليزية، مثل كلمة «لاب توب»، وقد شدد على استخدام «كلابريشنر» الألمانية بدلاً عنها.
استعدت هذا الخبر عن الوزير الألماني، بينما كنت أتابع برنامجاً يبث على إحدى قنوات تلفزيون أبوظبي، وتقدمه نجمة سينمائية في خريف العمر، اسمه «العربي»، ويُعنى بالمهاجرين العرب في أوروبا وغيرها من بلدان هجرتهم. وعلى الرغم من أن اسم البرنامج «العربي»، إلا أن الكلمات الأجنبية المستخدمة في حديث مقدمة البرنامج باللغة العربية، أكثر من الكلمات العربية، بينما غالبية الضيوف هم من أصول عربية لا يتحدثون لغة الضاد.
البرنامج لا يمثل أي إضافة نوعية تستحق المتابعة، باعتبار أن موضوعه معاد ومكرر لدرجة الاجترار، إلا أن ما يستوقف المرء حقاً هذا الاستخفاف باللغة، في مشهد يشير إلى فداحة ظاهرة انتشرت، لا سيما عند شرائح واسعة، ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين. كذلك من جانب فئة من الشباب، الذين ينظرون للأمر على أنه من باب الوجاهة العلمية، واستعراض التمكن من لغة أجنبية.
وقد كان مجلس الوزراء الموقر في مقدمة الجهات، التي تنبهت مبكراً لخطورة هذه الظاهرة على مستقبل الأجيال في الإمارات، فأصدر قراره التاريخي في عام 2008 بتذكير الجميع بأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لهذه البلاد، وعلى مختلف الجهات والمؤسسات مراعاة ذلك، واعتماد المخاطبات والمراسلات الرسمية باللغة العربية. ولكن يبدو أن البعض بحاجة دائماً لتذكيره بالقرار، لأنه لا يستوعب خطورة التمادي في فرض كلمات أجنبية أو التعامل بلغة غير العربية في دولة تنظر إلى هذا الأمر من منظور أشمل يتهدد الهوية الوطنية. وعندما نطرح خطورة هذا الأمر لا يعني أننا ضد الانفتاح أو التعليم العصري أو حتى ضد الآخر، كما يردد بعض أصحاب الردود والأسطوانات الجاهزة. فالآخر مدعو أيضاً للتعرف والتفاعل والاندماج في بيئتنا، كما يدعو هو الآخر عندما نكون في مجتمعاته.
وقد حزّ في نفسي ذات مرة، لدى حضوري نشاطاً استضافته جهة معنية بالتراث، أن كل كلمات الفعالية ألقيت من قبل المتحدثين الإماراتيين والضيوف باللغة الإنجليزية!!.
وطالما بدأت من ألمانيا فسأنهي الزاوية بواقعة من ألمانيا، فعندما كنت في جولة بمنطقة الغابة السوداء، حيث نزور متحفاً شهيراً فيها، كان موظف المتحف، الذي اصطحبنا في الجولة يحدثنا بالألمانية، والمرافقة تترجم إلى الإنجليزية، وعندما أخطأت في إحدى المرات، تدخل الموظف ليصحح لها بلغة إنجليزية رفيعة، ما يشير إلى إلمامه بهذه اللغة، ولكنه لا يريد التحدث بها، اعتزازاً بلغته الأم، وهناك فرق بين التعصب والاعتزاز باللغة، وكيف الأمر عندما يتعلق بلغة من أجمل لغات العالم، وقد كرمها الله بأن أنزل كتابه المبين بها؟!. فهل من وقفة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، قبل أن نفاجأ برطانة مسخ على ألسنة أبنائنا، وبالتالي نطالع صورة مشوهة من صور الهوية الوطنية، أي مثل أن نكون متحدثين «بالعربي» «بلا عربي».!


ali.alamodi@admedia.ae