إرهاب بغيض يدك الأوطان بمعاول هدم والبداية بهؤلاء الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا وترعرعوا وأحبوا أوطانهم.. فبأي مسوغ يمكن أن يبرر مثل هذه الجرائم الشنيعة التي حولت أرض الإنسان إلى غابة متوحشة وموحشة تتبارى فيها الضواري من أجل سفك وهتك والفتك بالناس أجمعين تحت ذرائع موغلة في الجهل وحجج ضالعة في السوداوية المقيتة.. يريدون الزلزال وإخلال أمن الناس وإشاعة البلبلة من أجل خلخلة الأوضاع الاجتماعية، وماذا بعد.. فأي من العقائد والمبادئ السماوية تقبل بذلك منهاجاً وشريعة؟ إنها فقط شريعة الغاب التي انبرى منها هؤلاء الذين قصروا من الدشاديش كما قصروا في تنفيذ المبادئ السامية، وجاؤوا بقيم لا تتناسب إلا مع عصور الانحطاط الأخلاقي وموت الضمير.. أجل نحن أمام امتحان ثقافي ومحنة فكرية ينبغي على الشعوب أن تعي الدرس جيداً، فالمطلوب من هذه المجازر وآخرها مذبحة الإسكندرية التي راح ضحيتها أكثر من واحد وعشرين بريئاً أن تتحول بلاد العالم وأولها بلاد العرب إلى ساحة دموية تغرق فيها الأنهار والبحار وتزرع الشوارع بالجثث، كما تم في عهد هولاكو التتار.. المطلوب أن تنساق الشعوب نحو غايات الفوضى والرعب والموت المجاني لأن الذين خسروا كل شيء وصاروا أشبه بالفيروسات في المجتمعات فإنهم لن يهدأ لهم بال ولن يستقر لهم حال إلا بتعميم القتل ليصبح قاعدة تتكئ عليها هذه الفئة وتنام على مخداتها المبتلة بدماء الأبرياء.
مذبحة الاسكندرية واضحة ومعالمها جلية ولا تحتاج إلى مزيد من التحليل أو التأويل لأن الذين يريدون أن يهدموا كنيسة فإنهم لا ينوون من ذلك إلا صناعة الشرخ لاستلاب مشاعر الناس والذين يقتلون بريئاً لا ينوون من ذلك إلا إلى قتل الوازع الإنساني وتحويل الناس إلى جيف هامدة لا تكن لبعضها أي صلة بالقرب، الأمر الذي يستوجب على الجميع بأن يضعوا الأوطان محل مقلة العين، وما العقائد إلا وسيلة وليست هدفاً لإنارة حياة الناس بالحب وتوضيح الصورة المثلى لهذا الكون الذي تعيشه بأنه كون، خلق لأن يتعايش الناس جميعاً شعوباً وقبائل وأقطار في سلم وسلام من أجل إعمار الأرض والخروج من حالة البؤس إلى رحابة النفس عامرة، غامرة بالدين الحقيقي الذي يضع الناس سواسية ولا فرق بين فرد وآخر إلا بما يقدمه للبشرية من خدمات تسعد حياتهم.. ومن يقتل شخصاً بغير ذنب فكأنما قتل الناس جميعاً.. ويا له من ذنب لا يغتفر وجريمة لا تستتر عندما يُقدم شخص على تفجير دور للعبادة من أجل سفك دماء البشر وإشاعة الخوف والضجر.. إنه الوأد لكل ما هو نبيل في هذه الحياة، تنفذه فئات ما تعافت من العمى.


marafea@emi.ae