صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

«في الجو.. فيروس»

كنت أتمنى من هيئاتنا الصحية التوقف قليلاً أمام اتساع ظاهرة قيام شريحة واسعة من الناس بتطبيب نفسها بنفسها عند الإصابة بالعوارض البسيطة من نزلات برد، بالاستعانة بالصيادلة المتمرسين. بدلاً من الوقت الطويل الذي يهدر في العيادات الخارجية، حيث تنتقل من كاتب لكاتب استقبال آخر لممرضة تعلق ورقة على يدك، لكيلا تتوه في أروقة العيادة، كما الأطفال في المتنزهات وساحات الألعاب. لتدخل بعد طول ذلك الانتظار على الطبيب الذي يستنزف وقته طريقة استخدام الكمبيوتر أكثر من الاستماع للمريض الذي لا يسمع تلك العبارة التقليدية” في الجو.. فيروس”، ونصيحة أن يتدفأ ويُكثر من المشروبات الساخنة، ليخرج بشريط من أقراص” الادول” المسُكَن، والسلام. يذهب المراجع بصغيرته التي تعاني من ارتفاع في الحرارة وإسهال، فيسمع الإجابة ذاتها المتعلقة بالفيروس المجهول الذي لا نعرف له مصدراً أو وسيلة وقائية. في وقت كان حريّاً بهذه الهيئات، وبالذات عند تقلبات الطقس الموسمية، إطلاق تحذيراتها من” الفيروس المجهول” الذي يرابط عندنا صيفاً وشتاءً، وأفضل السبل لكيفية التصدي له.
ممارسات العيادات الخارجية التي يكتفي أطباؤها برفع شعار”في الجو..فيروس”، تعد مناسبة لازدهار أعمال الصيدليات الخاصة التي بات صيادلتها يتفننون في بيع وتسويق المضادات الحيوية باعتبارها من أغلى الأدوية المتداولة على الرغم من القيود المفروضة، والتي تقضي بعدم بيعها إلا بوصفة طبية. وتكاد هذه الصيدليات تنفرد دون غيرها في المنطقة بهذا الكرم الحاتمي بصرف المضادات الحيوية من دون رقيب أو حسيب. وأتذكر كيف نظر لي باستنكار صيدلي في مدينة عندما طلبت منه مضاداً حيوياً، وكانت نظراته تلك وعباراته المقتضبة الرافضة، كفيلة بمغادرتي للمكان، مستنكراً بدوري سر تشدده في أمر يعد ممارسة اعتيادية عند صيدلياتنا في مختلف مناطق الدولة. وفي المقابل تجد بعض العيادات الخاصة تستغل مواسم “ في الجو.. فيروس” بطريقتها الخاصة، وتحيل المراجع إلى سلسلة من التحاليل التي هو في غنى عنها، قبل أن تزين له فكرة أخذ المصل الخاص بالوقاية من الانفلونزا، وهو مصل مكلف، وفي الوقت ذاته لم تثبت فعاليته بصورة مؤكدة، بدليل العائدين من الحج والعمرة الذي يصاب معظمهم بأنواع من نزلات البرد التي لا يقوى عليها أي مضاد، حتى تكمل دورتها في الجسم خلال فترة تتراوح ما بين الأربعة والعشرة أيام، بحسب الحالة الصحية للمريض وسنه. وعلى الصعيدين فهي ممارسات خاطئة، سواء باستغفال أو استغلال الناس في مسألة تتعلق بالصحة في مثل هذه المواسم بالذات التي تؤثر في إنتاجية الفرد والاقتصاد إجمالا.ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تؤدي نزلات البرد إلى غياب22% من الأميركيين عن أعمالهم ويتكبد اقتصادهم المترنح خسائر تقدر بنحو 7.7 مليار دولار سنوياً. ناهيك عن الهدر في الوقت المستقطع للناس.
ومن هنا على هيئاتنا الصحية وفي المقدمة منها وزارة الصحة رصد الظاهرة، وتبني معالجات متكاملة، تتعامل مع العوارض الصحية بصورة جادة ومتكاملة، بعيداً عن التبرير ولوم “الفيروس المجهول” الذي لم تعرف له هوية حتى اليوم، ويستنزفنا صحياً ومالياً.


ali.alamodi@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

متحدون

قبل 21 ساعة

فيروس الاستغلال

قبل 3 أيام

رؤية عالمية

قبل 5 أيام

جاهزية عالية

قبل 6 أيام

«لا تشلون هم»

قبل أسبوع

«هكر أخلاقي»

قبل أسبوع

وطن الطمأنينة

قبل أسبوع
كتاب وآراء