صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في شارع الحمرا

في بعض المدن العريقة، هناك شوارع أشهر من المدن نفسها، وتعد روحها النابضة، ورئتها التي تتنفس منها عافية، شارع الحمرا في بيروت هو أحد هذه الشوارع التي يعرفها القاصي والداني، وحين أتذكر هذا الشارع، أتذكره وأنا صغير من الأفلام العربية الساذجة، لعل أشهرها "قطط شارع الحمرا" ثم عرفته لأول مرة عام 1977 والحرب الأهلية اللبنانية في أوارها، ثم في التسعينيات حينما كان حاضناً لأشياء جميلة من بيروت، وتفاصيل ما زالت مغمورة بالندى، مخمورة بروائح الينسون، واليوم رغم أنه تغير، إلا أنه ما زال يقاوم بكثير من الأنين، أحب هذا الشارع في الصباح الباكر، والمدينة في أول يقظتها، وآخر كسلها، أحبه مع لسعة برد الخريف أو تلك الريح الباردة التي تشاغب الوجوه بحمرة ظاهرة، أحبه حينما ينهمل أو ينهمر المطر تاركاً لمعة برّاقة على تلك الأرصفة التي تئن طوال النهار من وقع أقدام العابرين على عجل أو مهل، أحبه في الربيع حين تتقافز الفرحة من وجوه الناس، وحين تكون الصبايا "غير شكل"، أحبه صيفاً مع بداية تكشف الأذرعة الندية.. اليوم شارع الحمرا والذي اكتسب أسمه من بني الحمرا الذين استقروا في جرن الدب بعد تنازعهم مع بني تلحوق الدروز الذين غادروا للجبل، يطيب لي الجلوس فيه في باكر الصبح محاولاً دائماً استرجاع تفاصيل فيه، وفي الرأس، المقاهي التي تضم المثقفين من كتّاب وصحفيين وسياسيين قدامى، وما برحت تضيق بهم وتتقلص تاركة أمكنتها للـ"بوتيكات" أو مقاهي جيل الإنترنت، قد يفاجئك كاتب وهو يقضم منقوشة اللحم بعجين وهو يذرع رصيف الحمرا مسرعاً نحو فنجان قهوة تركية وعود سيجارة وجريدة ينتشي وهو يقلب صفحاتها، ويعرف حبرها، الصراف العتيق في دكانه الصغير الذي استقر فيه بعد أن ترك المشي والدوران وراء رزقه راجلاً، حاملاً رزماً من عملات مختلفة، بائع اليانصيب العجوز والذي أغنى الكثيرين، ولم يعد يتذكره أحد بورقة نقدية، الغجرية التي تبحث عن من تغريه بسماع نبوئتها والتي تمطها على قياس الناس، ولا تتعدى سفراً بعيداً، ورزقاً قادماً، العجوز التي تلوك لبان الملائكة في خريف عمرها، بلباسها الأسود، وكأنها أرملة منذورة للقبر، التاجر البيروتي بقميصه الملون وسلسلة الذهب في العنق وأخرى في اليد، مع خاتم ثمين، وحرص على اجتثاث الشعر الشائب من الرأس، وضحكات تدرب عليها، وكلمات من عسل، شرطي السير الذي "بلا عازه"، صاحب مكتبة الرصيف الذي لا يمكن أن تمر بجانبه، ولا تتوقف، المتقاعدون المخلصون لمقاعدهم وهم يتذكرون عز بيروت القديمة قبل الحرب، الشاب البوهيمي الذي يعد علامة في ذلك الشارع، وكأنه ولد على رصيفه، شحاذات يتبعنك بحثاً عن جيبك بدعوات غير صادقة، طفلة تبيع علكاً وأوراق حظ سيكون بعد اليوم شارع الحمرا عالمها!


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء