صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حافلات عدوانية

حافلات نقل بحجم طائرات البوينج، صارت تمارس سطواً مبرمجاً على مواقف السيارات في الأماكن المخصصة للمؤسسات الحكومية والمصارف·· وبدأنا نشاهد هذه الحافلات تهبط كالغربان، وتصطف في طوابير عرضياً، بحيث تشغل الواحدة منها مواقف لأكثر من ثلاث أو أربع سيارات، وتبقى هذه الحافلات التابعة لشركات خاصة جاثمة على الطريق قاطعة أنفاس الذين يحومون ليلاً بحثاً عن مأوى لسياراتهم الصغيرة، والتي صارت تتزاحم وتتراكم وتتفاقم في المواقف الضيقة، مما يسهل من عمليات الاحتكاك والتصادم بين هذه السيارات، فنادراً ما نجد اليوم سيارة تمشي في الطريق إلا وقد قُضم من مؤخرتها أو مقدمتها جزء، ما يجعل هذه السيارة تسير وكأنها خرجت من معركة· أصحاب الحافلات لا يقلقهم شيء، ولا يزعجهم ما يزعج غيرهم، فهم يرمون بهذه الكتل الحديدية الضخمة في المواقف الممنوعة ويذهبون ليناموا قريري العين، هانئين، مقتنعين بأن ما يفعلونه من حقهم المشروع، ومن واجب أصحاب السيارات الصغيرة الإذعان لهذه الرغبة دون ضجر، أو تذمر، أو شكوى لأن أصحاب الحافلات يطبقون التقليد السائد: من واجب الصغير أن يحترم الكبير، ومن حق الكبير أن يفرض سطوته ونفوذه وقوته على الأصغر منه·· الأمر الذي شجع هؤلاء وجعلهم يبطشون بالمواقف ويهرسونها تحت عجلات حافلاتهم الأسطورية، ويمارسون تصرفات خرافية لا تخطر على بال بشر، ولا يتحمل وزرها حتى الحجر·· الكل يشكو من الزحام، وصحيح هناك ممرات وشوارع صارت أشبه بالمضايق وثقوب الإبر، لكن هذا لا يبرر بأي حال من الأحوال هذه التصرفات اللامبالية، وهذه الرعونة المؤذية لمشاعر الناس الذين لا ذنب لهم إلا أنهم جاورت مساكنهم أو محال عملهم مواقف صادرت هدراً، واستولى عليها من لا حق له أن يمد بصره إلى ما ليس له· فبعض الأماكن المزدحمة لا تسببها أعداد السيارات، إنما هي نتيجة مباشرة لهذه الفوضى واللامبالاة التي يمارسها بعض السائقين لحافلات تهاجم الأمكنة بكل ضراوة وشراسة دون وازع أخلاقي من قبل السائقين· أتمنى من رجال المرور أن يقوموا بزيارة صباحية مفاجئة إلى المنطقة الواقعة مقابل مركز زايد، وخاصة القريبة جداً من المصارف ليروا ويتابعوا كيف تفعل الحافلات بالمواقف، وكيف يتعامل سائقوها بهذه الأمكنة وكأنها أصبحت مشاعاً يسطو عليها من يسطو بوضع اليد·· فلا أحد يستطيع أن يجابه السائقين الذين تسمروا كالأصنام ولا يلتفتون لنداء ولا لصرخة ولا استغاثة· إنهم هكذا، أشباح بشرية، سكنت مقصورات قيادة الحافلات وتجمدت وليس باستطاعتها الرد على من يتساءل أو يطلب فرجة أو فسحة ولو بمساحة المسطرة·· فقد أصبح من الضروري وضع حد لهذه التصرفات وبسلطة القانون لا غير، لأنه ما من قوة تستطيع أن تردع هؤلاء الأشخاص لأنهم يتكلمون بمنطق فرض الأمر الواقع، وطالما لا يوجد من يخالف ويضع العقوبة الصارمة فلا بأس أبداً من أن يفرضوا أنفسهم ويزيحوا عن كاهل الطريق أي سيارة يمكن أن تضايقهم أو تزاحمهم·· حافلات عدوانية تمارس أفعالاً شيطانية ضد الطريق والأخلاق العامة تحتاج إلى رد فعل حاسم وصارم يكبح جماحها ويعيد الأمور إلى حالتها الطبيعية

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء