صدقوني بعض الناس عندما يبنون بيوتهم يعمدون إلى جمع كل المتناقضات في هذا البناء الجديد فإذا كانت قطعة الأرض في تقسيم جديد وسط الصحراء فإن صاحب البيت لا يحلو له إلا أن تكون واجهات البيت من الزجاج الخالص، ويجب أن يعلو البيت سطح الأرض بأكثر من خمسة أمتار، وهذا يعني أن صاحب البيت عليه أن يضع مبلغاً لا يقل عن 45 ألف درهم مقابل قسط الردم الذي يمكنه من الارتفاع عن سطح الأرض·
ندوات كثيرة في البلديات وجمعية المهندسين وكليات الهندسة كلها تصرخ يا جماعة الخير ما نفعله في المباني شيء غير معقول، إذ لا يمكن وضع هذه الأطنان من حديد التسليح والخرسانة المسلحة والاسمنت والرمال وأجور مصنعية العمال في باطن الأرض حتى نبني بيتاً من طابقين فقط·
بعض الناس يبنون بيوتهم ويختارون لها أشكالاً يمكن أن نطلق عليها نشازاً فالسور المحيط بالبيت في حاجة إلى محطة توليد كهرباء خاصة به فقط، إذ يضم هذا السور أكثر من 200 إلى 300 مصباح كهربائي، وتتحول الليتات في هذه البيوت إلى ما يشبه شلالات النور من شدة الأضواء الساطعة حولها، بل إن بعضهم لا يقف عند حملات التوعية التي تشنف الاذنين يومياً والتي تدعو على امتداد العالم كله إلى ضرورة ترشيد استهلاك الكهرباء·
هناك حالات كثيرة لم تعد تنفع معها جهود التوعية ولم يعد هناك بد من تدخل البلدية في فرض نماذج معمارية في التجمعات السكنية بحيث تكون هذه النماذج ملبية للاحتياجات الضرورية للمسكن بعيداً عن الكشخة والبهرجة التي يعمد اليها البعض، وخاصة هؤلاء الذين يقعون في أيدي من لا يرحم من بعض الاستشاريين الهندسيين الذين لا يعنيهم إلا تحويل البيت إلى دشمة اسمنتية بما ترتفع معه الكلفة الكلية للبيت وبالتالي نسبة العمولة التي يحصل عليها المكتب الاستشاري·
القضية ليست في التباهي أو في المغالاة في الإنفاق على بناء بيوت عمرها الافتراضي لا يتجاوز 25 عاماً في أحسن الأحوال، وفي هذه البيئة التي تأكل الاسمنت والزلط معاً، وإنما القضية من وجهة نظري أكثر تشعباً وتوسعاً فهي في المقام الأول مسألة مرتبطة بالوعي الاجتماعي، وكذلك بما يطلق عليه ثقافة المجتمع فنحن كعرب لا نزال نعاني من أشياء كثيرة في مقدمتها غياب هذا الوعي الذي يجب أن يكون حاضراً في جميع مجالات الحياة، ومع استمرار البعض في غيبوبة الكرم العربي حتى في الاستهلاك سنظل نقول عليه العوض·
أبو عوض