الذين يكرهون الحياة، هم أناس يعانون عقد نقص، ودونية، وفقدان شهية الحياة، وانكسار يتربص بقواهم العقلية والنفسية، ما يجعلهم عرضة للاقتناص من أي جهة مغرضة، تود أن تفجر حقدها في وجوه الآخرين، فتدمر وتخرب بدم بارد وضمير غائب، مستتر تقديره، شخص ما تقاعد عن الحب، فاتكأ على أريكة الكراهية..
التفجير الدامي في مطار موسكو، والذي راح ضحيته أناس أبرياء، يؤكد من جديد أن الإرهاب أعمى، وأنه بلا جنس ولا عرق ولا دين، الأمر الذي يدحض كل الافتراضات، التي تشير بالأصابع إلى جنسية ما، أو عقيدة معينة.
فالإرهاب فكرة، نمت وترعرعت ونشأت في أذهان أشخاص، هم مهيأون نفسياً وعقلياً، وتربوياً وثقافياً واجتماعياً، لأن يقوموا بمثل هذه الأفعال المشينة التي تدينها جل الأديان وتستنكرها كل المعتقدات لأنها أفعال خارجة عن مألوف الحياة، مناهضة لقيم الإنسان السوي، مناوئة لتقاليد المجتمعات التي عانقت الحياة من خلال شجيرات الحب.
مجزرة مطار موسكو، توضح بجلاء أن المجتمعات البشرية مهددة بأخطار جسيمة، وأنها أمام خطر داهم، بلا عنوان ولا ألوان، إنه الإرهاب الأعمى، الذي نشأ في ظل ظروف سياسية عالمية، هيأت له جو النشوء والارتقاء، ونسجت له بيئة خصبة لكي يتطور عن نسل عدوان مقيت، ويصير أشبه بالوباء الذي يضرب ضرباته القاصمة، دون أن يكتشف له فيروس معين، لمقاومته والإجهاز على قدراته.. الأمر الذي يتطلب وعياً وحنكة من جميع دول العالم، وبالأخص أجهزتها الأمنية، التي سرعان ما تشير بالبنان إلى جنسية معينة أو عقيدة، لتريح نفسها من عواقب البحث والتحري.
ما نتمناه أن تكون الذهنية في العالم الذي يصاب بميكروب الأعمال الإرهابية أكثر حصافة، وأكثر فطنة، وأن تتحرر أيضاً من الأحكام المسبقة وأن تتخلص من الإشارات الضوئية، التائهة في الجهات الأربع.. فالإرهاب كالمادة السائلة السامة، سائحة جامحة في كل أصقاع العالم، وما يجب أن تفعله دول وقارات العالم هو التحالف والتكاتف للوصول إلى أهداف سامية، وبلا انحياز أو انعطاف نحو جهة وترك أخرى.. فالاتهامات المباشرة والمتسرعة، مدمرة، ولا تقدم حلاً بل تزيد من عقم الحلول، وتضع العالم أجمع في وضع التربص دون جدوى، بينما العدو الحقيقي يقف في المرصاد، ويضرب ضرباته القاصمة دون أن يجد من يتصدى له.. لأن الانشغال بأوهام مصطنعة يُغيِّب الحقائق، ويُضيِّع الحقوق.


marafea@emi.ae