جهاز قياس الأوكسجين يهبط ويعلو، وشريط الذكريات يروح ويجيء، بين اليوم والأمس البعيد، تفتح عينيها وتغمضهما تنطق أسماءنا بصعوبة، مازلت أذكر مشاكستنا لها ولهونا معها كنا نقول الجدة لا تغضب أبداً منا، فهي «تستفز ولا تغضب!» كنا نستمتع بمضايقتها وصراخها علينا الذي غالباً ما ينتهي بدعوة صالحة بالهدايا وصلاح الحال. الجد والجدة في كل بيت وجدوا فيه هم «الخير والبركة»، سؤالهم وكلامهم وحتى استنكارهم من الأجيال الحالية يحمل الكثير من الحب والدفء. نلعب معاً ونحكي لبعضنا القصص ونراوح في مزج الواقع بالخيال هم يحكون عن إنجازاتهم ونحن نحكي عن بطولاتنا، جدتي «كان جدك عندما يتكلم التزم الصمت فالمرأة المطيعة تعرف كيف تكسب الرجل بصمتها..ألخ» حتى ينتهي درس المرأة المثالية «السنعة» التي كانت في ذلك الوقت والمفروض أن تكون في هذا الوقت. ويبدأ جدي «الرجل لا يحتاج لمن يرشده إلى الطريق بل هو من يشق طريقة ويكتشف في هذه الحياة..إلخ» وزمن البطولات والإنجازات التي أصبحت كالبرق عندما يلوح في سمائنا اليوم. تشهق الجدة في محاولة لمحاكاة جهاز التنفس والانسجام مع نبضاته...تفتح عينيها..وتغمضها، مازالت أنفاس جدتي في إعداد الطعام لنا حاضرة «أعددت هذا الطعام خصيصاً لأبنائي (أحفادها) وتخاطب أبناءها الصغار القريبين من أعمارنا لا أحد يأكل قبلهم..»، من «البلاليط» و»المجبوس السمك» و»البرياني» لا تزال رائحتها تدغدغ أنفي وترسم في ذاكرتي تلك الجلسات العائلية الجميلة والتي غدت مختصرة جداً الآن. لا أحد يستطيع أن ينكر على كبار السن سخطهم من إيقاع الحياة السريع الذي نحياه، ولا سخطهم من انفصال أبنائهم عنهم وظهور الأسرة الصغيرة المنشقة والراضخة لمتطلبات العصر، العصر الذي غدا يرسم الكثير من الصور الاجتماعية غير الواضحة المعالم. ندق الجدار ونلوم المسمار وكأننا لم نقم بشيء. جدي يأمر وجدتي تدللنا والعكس أحياناً ولكن في أغلب الأحيان يغلب الدلال على معاملتهم لنا.. «أعز من الولد ولد الولد» وهو بالفعل كذلك. يعيدني إلى الحاضر صوت تخطيط القلب الذي كبل حركة جدتي وهي تحاول أن تنزعه عنها، أنظر إلى أنفاسها المنتظمة، هم طفولتنا ومستقبلنا الذي إذا أطال الله في أعمارنا سنؤول إليه، الأدوار تتبدل وبسرعة لا أحد يستطيع أن يتخيلها، كل شيء يتبدل والإنسان الأكثر تبدلًا فهو في كل يوم له حال، اللهم أطل في أعمارهم واجعلنا من أبنائهم البارين. أمينة عوض | ameena.awadh@admedia.ae