مرات يقسون على أنفسهم، الجماعة عندنا، حينما يريدون أن يتجملوا ويجملوا مدينتهم، فيصدر قانون أو قرار بلدي مثلاً بنقل مصلحي عجلات السيارات، و”يعقونهم غدفي مصفح”، بحيث اليوم إذا ما تعطلت عجلة، فما عليك إلا أن تتعكز عليها أو “تترتر” سيارتك حتى ذلك المكان البعيد أو تطلب خدمة الطريق، وهو أن يحضر “البنجرجي” بشنطته مثل المحجم، و”يعابل تايرك” النائم، وينقضي الحال أو تتركها باركة حتى تقلصها سيارة وإلى المصفح سر، وفي كل الحالات عطلة، وتضييع وقت، وإرهاق للناس، عندنا ماشي “وإلا خَبّ وإلا برك”، أقلها أن تكون محطات تزويد الوقود فيها كل الخدمات والبدائل لسكان المدينة التي تكبر كل يوم وتتسع كل يوم، وخدماتها تقل أو تنقل لخارج محيطها!
• أعجبت بحال واحد من المواطنين، وفي الوقت نفسه حَزّ في قلبي ما آل إليه، وفي حالة تجمع الأضداد لا تعرف هل تخرج البسمة أولاً أم الدمعة؟ هذا المواطن تقاعد شاباً برتبة جيدة، لكنه لم ينطو، ولم يظل يجتر حديث الذكريات، ولا ندب حاله، ذهب وأكمل تعليمه العالي، ونال درجة الدكتوراه في الموارد البشرية، وحين عاد وهو ما يزال شاباً ضاع بين التقاعد وإيجاد وظيفة تستوعب خبرته ودراسته، ولما طالت المدة في انتظار ما يأتي ولا يأتي، شمر عن ساعديه، وفتح له ورشة لتصنيع الحديد والألمنيوم المشغول، وأشرف على تركيب الأبواب والشبابيك والدرابزين وغيرها، ورغم نجاحه الذي لم يأت هكذا دونما تعب ومعاناة واجتهاد، إلا أنه منشطر بين دراسة عالية لم يستفد منها الوطن شيئاً، وبين مهنة قاسية على “دكتور”، لكنها تجعله يعيش كريماً وعزيزاً!
• أعجبتني مواطنة، وفرحت من أجلها أيما فرح، ورغم أنها أضحكتني بداية واعتقدت أنها تمزح، وذلك حينما قالت لي: إنني أدير مصنعاً للطابوق والآجرّ وما يخص البناء، وماضية وناجحة في عملي، ولا يعنيني كلام الناس أولاً ولا آخراً، فكدت أن أتمثل بقول الفرنسيين حينما يتيه بهم الإعجاب والاحترام لشخص ما أن يرفعوا له “الشابوه”، فتذكرت العقال فوق الرأس، فرفعته قليلاً، واحتراماً كبيراً!
• مشكلتنا مع تركيبة مجتمعنا السكانية، وذلك الخليط من المجتمع الـ”كوزموبوليتاني”، أن كل فئة جاءت هنا، وجاءت وهي محملة بسلوك بلدها، وتريد أن تمشيه في هذا المجتمع الوليد، والقابل للتجريب، والذي يتكاثر يوماً عن يوم، وتتعقد الحياة فيه يوماً عن يوم، في حين بلد مثل بريطانيا، لا يمكن أن يتصرف سائق التاكسي الباكستاني بشكل يختلف عن السائق الإنجليزي التقليدي، أو يتصرف صاحب مطعم صيني خلافاً لما هو متبع في ضبط المحال أو واحد إيطالي يحب الليل والسهر، ومشربه اللندني يعج بالزبائن، وعليه القدم، يمكن أن يجعله كأي حانة إيطالية أو صقلية!


amood8@yahoo.com