لا أعرف من هو طيب الذكر الذي اخترع شعار “بالروح بالدم نفديك يا زعيم”، ولكن بالتأكيد ليس من السويد أو الدنمارك أو النرويج، وأكاد أجزم أنه حتى ليس بأوروبي، هو من فعل شخص من أفريقيا السوداء، حيث ما زال منطق الغاب هو السائر، فبقدر ما تغنم وتستحوذ عليه بحط اليد يكون ملكك، وهناك يمكن أن يعتلي رئيس المستودعات العسكرية سدة الحكم، بعد أن يستولي على أكبر قدر من النياشين والأنواط العسكرية، ويزحف بدبابته فجراً، وقبل أن يصيح الديك أو يستيقظ العمال متوجهين إلى ورشاتهم إلى قصر الرئيس ويقتله، ويسمي نفسه رئيساً جديداً للبلاد، أو ينتخب رئيسا، ولا يرضى الرئيس المهزوم بالانسحاب، فيتولى السلطة رئيسان، واحد يدير حكومته من فندق كأي نزيل له أولوية خاصة، وآخر يعتصم مقسماً أن لا يترك الكرسي أو يسلم السلطة، متمسكاً بالديمقراطية. وربما يكون ذاك الشعار هو أمر من مستحدثات العرب، وصنع تاريخهم الحديث، حينما يأتي الزعيم ويحتل الإذاعة والتلفزيون، ويقرأ البيان رقم واحد، ويتعهد بمحاربة الاستعمار، ودحر أذنابه، وإقامة نظام برلماني حر، وانتخابات شرعية، وأنه ما أتى إلا لنداء الشعب، ومطالب الجماهير الغفيرة المحتشدة، وأن فترة حكمه هي فترة انتقالية، سيحترم خلالها الدستور، ويتكفل بتسليم الحكم إلى مدنيين، دون أن يحدد المرحلة الانتقالية التي ربما تستمر ثلاثين عاماً إذا ما سمح القدر، وسمحت الظروف أن يكبر الابن البكر ليتسلم من بعده شعار بالروح بالدم نفديك يا ابن الزعيم. وربما يكون ذاك الشعار هو أمر من صنع نظام الحزب الواحد أو النظام الشمولي الذي يعشق الناس فيه التصفيق والهتاف ورفع الشعارات التي تبدأ بالروح بالدم نفديك يا زعيم، وتنتهي بشعار التمسك به إلى الأبد رغم أنه يحيط أعناقهم بحبل من مسد، في تلك الجمهوريات الثورجية التوريثية يخدم ذلك الشعار ككاهن معبد بعد أن يصلبه ويرسمه على صدره “الوزير الدائم” ضمن تشكيل الحكومة التي تتغير كل ثلاثة أشهر نزولاً عند مطالب الشعب ورغباته، وزير الهتاف والتصفيق والتشويش، ويختصر رسمياً بوزير الحناجر والكفوف الساخنة. فهل تنتهي مرحلة مهمة من التاريخ الذي تأسس على ذلك الشعار طويلاً، فادياً الشعب فيها الزعيم بالروح والدم، مضحياً بالحرية والديمقراطية وبالبرامج التنموية، ومتخلياً عن خطط التعليم الحديث، واستيعاب قدرات الشباب وخلق فرص العمل لهم، أم يجد هذا الشعار من يحرسه من المخلصين من الحرس القديم، والذي طالما خدمهم كأشخاص، وخدم مصالحهم، وساند فسادهم، ورفع من مقامهم، وحسن من أحوالهم.. حتى الساعات القليلة الماضية كانت الشوارع العربية خالية من سماع ذلك الشعار القديم! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com