صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

كنت عند أحد محال الصرافة في أبوظبي، عندما وقف إلى جانبي شخص لفت أنظار من حوله·· مواطن طاعن في السن، يبدو من ملامحه أنه في العقد السابع أو أواخر العقد السادس من العمر·· كانت آثار العمر ومظاهر مسيرة الحياة الطويلة وتعب السنين، ظاهرة على محياه وعلى حركاته وتحركاته·· مال جانباً نحو الصراف وسأل عن حوالة مالية باسمه من إحدى الإمارات، فطلب منه الصراف رقم الحوالة وبطاقة الهوية·· كان من الواضح أن الرجل استعد لهذين المطلبين، فأعطى الصراف الرقم والهوية الشخصية، ثم انتظر حتى يقوم الأخير بعمله في تسليم مبلغ الحوالة· كنت أظن أن المبلغ المحول للرجل لا يزيد عن بضعة آلاف من الدراهم، ولكنني فوجئت بالصراف يقول له بصوت عال: ''مائة وخمسون ألف درهم·· صح؟''·· فرد الرجل المسن على الفور: ''نعم''!!·· ظننت في بادئ الأمر أن الصراف يمازحه، ولكنني تيقنت من أنه جاد كل الجدية، حين أخرج رزماً من ''نوط'' الألف والخمسمائة الجديدة والقديمة، وبدأ بالعد·· ألفاً·· خمسة آلاف·· عشرة آلاف·· عشرين·· ثلاثين·· خمسين·· مائة ألف·· مائة وعشرين·· وثلاثين·· وأربعين·· مائة وخمسين ألف درهم بالتمام والكمال!؟·· قام الرجل بتوزيع المبلغ بين جيوب الكندورة، وحمل جزءاً آخر بين يديه وسط نظرات مريبة من كل من حوله، وغادر المكان بكل برود أعصاب· مثل هذا الرجل يساعد على تعريض نفسه وربما من معه من أهله وأبنائه لخطر شديد·· فالتنقل بالمبالغ النقدية الكبيرة بهذه الصورة من الاستهتار، أمر في غاية الخطورة، وما أكثر الجرائم التي وقعت وراح ضحيتها أبرياء من أبناء الوطن بسبب حمل أموال نقدية أقل من المبلغ الذي حمله هذا الرجل الطاعن في السن·· فهناك عصابات مجرمة لديها الاستعداد لقتل شخص وسرقة أمواله حتى لو كان ما يحمله لا يزيد عن بضعة آلاف من الدراهم·· فما بالكم بمبلغ ضخم كالمبلغ الذي حمله ذاك المسن؟ سافرت إلى بلدان كثيرة شرقاً وغرباً، ولم أجد دولة يتعامل فيها الناس بمبالغ نقدية ضخمة مثلما نتعامل نحن·· يدخل الزبون أي مصرف أو بنك أو مكتب صرافة ليخرج وقد حمل معه عشرات الآلاف من الدراهم في صورة نقدية، غير عابئ بما قد يتعرض له من خطر الاعتداء أو التعرض للسرقة·· الجهات الأمنية لم تترك مناسبة إلا وحذرت فيها من هذه الممارسات ومن هذا السلوك الخاطئ، فالتقدم العلمي والتقني لم يترك مشكلة إلا وأوجد لها حلاً، ومن بينها حلول عدة تساعد الفرد على حمل بطاقات ائتمان أو شيكات سياحية أو تحويل الأموال إلكترونياً إلى الحساب البنكي بدلاً من المجازفة بحمل مبلغ 150 ألف درهم نقداً·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء