حين أتممت قراءة الفصول المختارة في (كتاب في جريدة) من رواية الكاتبة العراقية بتول الخضيري ''كم بدت السماء قريبة'' استعدت الجدل الذي يدور بين المهتمين بالسيرة الذاتية وحدودها وقرابتها للأنواع المجاورة للرواية، فالمقدمة التي وضعها المحرر الثقافي توجه القارئ صوب تلقي رواية سيرة ذاتية، ربما كانت معرفة الكاتب بتفاصيل ما من حياة الكاتبة شجعته على هذا الاستنتاج، ولكن ذلك تم في الغالب بتوجيه ضمير السرد، فالكاتبة تروي بضمير المتكلم، وتضع العراق مسرحا لفضاء الرواية ولزمنها المشحون بالحروب ولأشيائها المزدحمة بالتفاصيل·· سرد يستذكر الطفولة ونمو الوعي بالعالم (في فضاء كان كل شيء فيه أكبر مني) كما تقول ـ حتى تلك اللحظات البايولوجية الحرجة ـ (التعرف على البلوغ الجسدي مثلا) وتثير مشكلة أخرى هي التربية المزدوجة، فأم الساردة أجنبية، وأبوها عراقي، وحياتها في يومياتها كلها موزعة باتجاهين: الاندفاع في الحياة بعفوية، أو الامتثال لتربية قاسية تدبرها الأم· تسأل الأم ابنتها (بإنجليزية بيضاء كبشرتها: أين كنت؟) تجيب الطفلة: في المزرعة، تثور الأم لأنها لا تريدها أن تلعب (مع الفتاة القذرة··)، لكنها صديقتي· تجيب الطفلة·· وذلك لا يروق للأم· عالمان ينشقان ويتباعدان ليخلقا صورة البنت القادمة·· التعريف البيبلوغرافي بالكاتبة يخبر القارئ أن الكاتبة مولودة ببغداد من أم أسكتلندية وأب عراقي، وتستثار بسبب ذلك روح المطابقة التي تلزم القراءة في السير الذاتية، وتتعزز عندما يجد القارئ الأم نفسها والأب أيضا في الرواية· ولكن ألا نستطيع نقل التطابق بين السيرة والسرد إلى النزعة التمثيلية التي تميز الرواية؟ بمعنى أننا قد نجد في التخييل ما يساعدنا للتغافل عن التطابق بين الكاتبة والساردة، وقراءته كرواية تكرّس المماثلة والتشابه فقط، ما دامت الكاتبة نفسها قدمت العمل بكونه (رواية)· قد يجد الباحثون حلا اصطلاحيا فيسمونها (رواية سيرة)، لكن ذلك يعود بالقراءة إلى الدائرة الأولى التي تطابق بين الكاتب وشخصياته وتخفض بذلك فضاء المخيلة التي تصنع السرد· وربما سنقرأ أي رواية مسرودة بضمير المتكلم بكونها سيرة ذاتية، متراجعين إلى زمن التفسيرات المباشرة للأعمال دون سياقها التخيلي· ولكن؟ أليس اقتراح (سيرة روائية) هو أقرب إلى التجنيس الذي لا يخلخل المزايا الخاصة بالكتابة، ولا يجعل التعارض ممكنا بين مهمة التطابق في السيرة، والتماثل في الرواية؟ ستخرج الكاتبة في الفصول التالية من البيت إلى فضاء أوسع، تندلع الحرب العراقية الإيرانية، وتتسارع الآلام، وتنمسخ الحياة بدءا من الأغاني التي تمجد الموت حتى صور الضحايا· وتنساق الرواية للتوثيق: بيانات وأحداث ومظاهر تحتل في الذاكرة موقعا أليما··