إنه الشاعر الذي غلبت كنيته على اسمه، محمد سليمان الأحمد الذي اشتهر بـ''بدوي الجبل'' وعاش ما بين 1901م و1988م· وجمال شعره ينبع من تلك الغوايات الجميلة التي طلع منها هذا الشعر، حيث الإثم والطهارة متداخلان، والشك واليقين، والوطن والغربة، والفرح والألم والمنفى والإقامة، وحيث يعلو قلق الشاعر الكبير على كل شيء، فلا يبقى ظاهراً للعيان سواه، بعد أن تفرق السفينة والربان في البحر· شعر بدوي الجبل بمثابة راية فوق الموج، عالية، مرتجفة في الرياح، تكاد تصبح هذه الارتجافة دليل نشوتها، وصيرورتها، في حين أن كل شيء ما خلاها، قد سقط إلى القاع· يؤخذ القارئ بالتدفق الشعري العارم للبدوي، فأبياته تتدافع كأحصنة في سباق، والمعنى محمول على صهواتها بخفة ورشاقة، ويكاد يتوارى في اندفاعها·· وتكاد قصيدة ''اللهب القدسي'' تختصر أهم العناصر الأسلوبية والجمالية للشاعر، حيث يقول فيها: ''روحي فدى وثن ما كان أفقرنا إليه في عزة النعمى وأغناه إن كان يذكر أو ينسى فلا سلمت عيني ولا كبدي إن كنت أنساه يا من سقانا كؤوس الهجر مترعة بكى بساط الهوى لما طويناه'' فالوزن البسيط الذي حمل عليه الشاعر أبيات هذه القصيدة هو من الرشاقة والانبساط، بحيث تحول إلى وزن غرار، مغر، محرض على الاستزادة في الإجادة، كلحن جذاب لمغن يعرف ذلك ويزيد فيه· والروي والقافية كذلك، وهما هنا ''آه'' مأخوذان من آه عميقة أو تنهدة بشرية يكفي سماعها لتكليف الوجدان بأشجانه، وليس مؤدى ذلك أن عناصر الوزن والقافية والرويّ هي هنا عناصر الإبداع في القصيدة بل ذلك التناسب العظيم المحكم بين الوزن والموزون، بين الصيغة ومؤداها، فليس للوزن هنا هو الشكل الإيقاعي للمعنى أو قيد المعنى أو حتى أداته، بل هو هو المعنى بذاته في حال تحوله إلى موسيقى، مثل تحول الكمان إلى نغم، والوردة إلى عطر والبحر إلى هدير أو صدى· تظهر في ''اللهب القدسي'' الديباجة، وهي ديباج الشعر، بريقه وخطفه وتعرجاته التي هي كموج البحر، وانعكاس الضوء وما إلى ذلك من عناصر تخطف نظر الناظر إلى الديباج، وتخطف نظر وسمع قارئ القصيدة، وهذه الديباجة الموصوفة، نجدها أيضاً في قصائد أخرى مثل قصيدة ''هواجس'' وقصيدة ''خالقة'' وفيها البيت المفرد التالي: ''لو كنت في جنة الفردوس واحدة من حورها لتجلى الله في الحور فنزول المعنى الخالص أو المتعارض في الوزن الخالص هو سر الحفر والتنزيل الشعريين في هذا البيت وما يشبهه من شعر البدوي· يفخم بدوي الجبل القصيدة، ويعتد بشعره، يقول: ''الخالدان (ولا أعد الشمس) شعري والزمان·