صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

يا أهلا بالضيف..

تلك عبارة لم تخل منها أي حلقة في المسلسلات البدوية التي ظهرت بطريقة مفاجئة، فلقت صدى كبيراً، وإعجاباً متزايداً، حتى أصبحت مع الوقت مقررة على الجمهور، حتى ترهلت، وغدا إنتاجها مستسهلاً، فكل رأسمالك “خيمة وكوار ضو وعليه دلال قهوة، وزعيم العشيرة مكاري يستقبل ضيوفه ويسولفون، وبين كل لحظة وأخرى، ينادي على المقهوي: أقهوه للضيوف”!
كانت البداية في منتصف السبعينيات حينما تم عرض مسلسل “فارس ونجود” من بطولة المطربة المحبوبة - خاصة عند الشواب - سميرة توفيق، والممثل القدير محمود سعيد، وكان مسلسلاً وقتها في غاية الروعة، وجذب مشاهدين ظلوا ينتظرون حلقاته، ولا يملون من إعادة تسجيلها، أيام الـ”بيتامكس وفي. أتش. أس” وربما يرجع ذلك النجاح إلى الحنين للأيام التي ولت ولن تعود، وربما لتلك اللهجة القريبة والمفهومة، وربما لتلك الملابس المألوفة، وربما من الملل من المسلسلات المصرية الوحيدة، وربما لأنها كانت تحرك شيئاً في الداخل مفقوداً في ذلك الجهاز الذي بدأ يغزو بيوت “العربان”، بعدها صارت الأردن تنتج من المسلسلات البدوية بقدر إنتاج دول الخليج مجتمعة من النفط، حتى أصبحت تنتج مسلسلات خارج المياه الإقليمية، بعدما ضاقت بها أستوديوهاتها، ودخل الرأسمال الخليجي في عملية الإنتاج والتسويق الذي كانت تلفزيونات المنطقة تتلقفه دونما أي سؤال عن فحوى أو معنى أو رسالة، فظهرت الثأرات، والقتال بين بني العمومة، والاختلاف على خطبة بنت العم، ومكائد الشخص الشرير لفارس القبيلة، وقصص حب ممجوجة وعذرية بين مضارب البدوان، وبعض من قيم وأعراف فقدت في مجتمعات المدينة، وأصبح يحنّ لها الإنسان في حركة المجتمع الجديد، وبعد أن هدأت عاصفة الصحراء من كم المسلسلات البدوية السطحية، وأصبحت تجارة بائرة، ظهرت المسلسلات المكسيكية المدبلجة على السطح العربي، وأصبحت ربات الخدور يشاهدن حلقاتها التي تتعدى على الثلاثمائة وستين حلقة، وكل ليلة يبكين على المشهد نفسه، ويحنقن على الشخصية الشريرة التي تريد أن تقتل البطل ذي الشعر الطويل واللحية الصهباء المخنجرة، والنظارات الشمسية الضرورية إن لم تكن على العيون، ففوق الرأس، عاثت تلك المسلسلات فساداً في العقول العربية، لكنها كانت تملأ فراغاً ما، هل هذا الفراغ في دواخل النفوس أو شيئاً تفتقده في حياتها اليومية من رومانسية وعاطفة جيّاشة، وتلك القصص التي تذوّب القلوب؟ ونسى العربان المسلسلات البدوية تماماً، ثم غزتنا تركيا بمسلسلاتها المدبلجة ذات البذخ الإنتاجي الكبير، وتلك الوجوه الناعمة، للأبطال والبطلات، بحيث أصبحت “الحرمة” المتابعة بشغف تخاف على مهند أكثر من أخيها، وأصبحت بعض البطلات التركيات كأيقونات يحلم بها أكثر الرجال، وخربطت المسلسلات التركية كيان الشعب العربي، لكنها سدت فراغاً ما أيضاً في النفسية العربية، لأنها كانت تحتل الشخصية العربية بكل حواسها، ونسى من جديد العربان مسلسلات البدوان!


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء