في زهوة الشباب، قرأت بتمعن شديد إسلاميات طه حسين، وراقبت تحوله من الشك المثير إلى اليقين البصير. كنت أعرف هجومه الضاري على الحياة الأزهرية عبر أيامه البديعة، حيث وجدت فيها صورة لما تمور به نفسي، لكني أشفقت عليه كثيراً عندما وقعت في يدي مبكراً نسخة من كتابه المصادر "في الشعر الجاهلي" فحفظت منه جملة فحواها يقول "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وإسحق، وللقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وإسحق، ولكن ذلك لا يكفي لإثبات حقيقتهم التاريخية". العلم إذن يختلف عن الدين، والتاريخ يستقي من مصادره المادية لا من الروايات الدينية، لم أفرح بحذف هذه الجمل من الكتاب لكني أدركت ما تعرض له طه حسين من ضغوط . أثار انتباهي بعد ذلك أمران في كتابات طه حسين الإسلامية: أولهما: أنه عمد إلى توظيف ملكاته الأدبية التخيلية في إبداع نصوص سردية بالغة الفتنة عن التجربة الإسلامية في مهدها الأول: "على هامش السيرة" و"الوعد الحق" وغيرها. أعاد تجسيم الشخصيات الدينية مضفياً عليها سحراً شعرياً وهالة فنية، بعيداً عن التمحيص المنهجي والبحث العلمي، وتقدمت السينما المصرية لتحويلها بعد التنقية من أخطار التجسيد إلى صور مرئية تعمر الوجدان بالتمنان والتعاطف. كان كتاب "الأبطال" لكارليل هو المثير المباشر لطليعة الثقافة العربية في مصر لإعادة تناول السيرة النبوية بإعجاب فائق، كتب هيكل الكبير "حياة محمد" وشرع العقاد في عبقرياته، والتفّ طه حسين على حيوات الصحابة الفقراء المهمشين فغمرهم بحدبه، ولم يكن الأمر كما تصوره بعض المثقفين العرب مجرد انتهازية وردة عن نهجهم العلماني رغبة في كسب تعاطف القراء، كانوا لا يزالون شباباً يقيمون جسوراً فعلية مع الرأي العام الذي سيقودونه في معركة التنوير. وتمثل الأمر الآخر اللافت في هذا الوعي التاريخي الاجتماعي الباهر، كما يتجلى في "الفتنة الكبرى" و"علي وبنوه"، ولأنني لم أعد لقراءة هذه الأعمال منذ ما يربو على نصف قرن، فليس بوسعي سوى تسجيل ما ترسب في وجداني منها في صباي، اكتشفت فيها حينئذ ميزة تغيير طه حسين لتخصصه العلمي من الأدب إلى التاريخ والاجتماع، كنت أطالع بحثه الذي قدمه لنيل أول درجة للدكتوراه من الجامعة المصرية وعمره لا يتجاوز نيفاً وعشرين سنة في موضوع "تجديد ذكرى أبي العلاء" فأجد فيه عمقاً فلسفياً وقدرة عبقرية على تصور عوالم الشاعر العظيم، فأشعر بالعجب لأنه بعد سفره للدراسة في فرنسا قد غيّر مساره ليدرس ابن خلدون ومقدمته، لكنني لم ألبث أن فهمت جدوى هذا التحول الكبير، فقد زوده بجهاز منهجي مكتمل في تحليل تاريخ الأدب والثقافة والسياسة والدين في القديم والحديث، كان الجديد في رؤيته لعصر الصحابة وحروبهم التي شقت التاريخ الإسلامي إلى طوائف ودول ومذاهب، أنه قد تحرر من القوالب الدينية المذهبية التقليدية لينخرط في إطار علمي ومنهجي يتعامل مع الشخصيات وطموحاتها وقدراتها في عصرها برؤية نقدية صارمة.