صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

غيبوبة!

البعض يعيش في الماضي منغمساً تماماً فيه، في سطوعه وألقه وحتى أساطيره التي أثبت الحاضر خرافتها، ولا يقرأ نفسه إلا بلغة ذلك الماضي الذي لا يزال الكثير من مفرداته مجهولة، ويظلون في فلكه يدورون وكأنهم في غيبوبة تاريخية!
حسنا.. بالتأكيد لا مشكلة لدينا عندما يصر البعض على ذلك، فهذا شأن خاص تماماً، ولكلٍ الحق في أن يعيش حياته في أي حقبة تاريخية يريدها؛ ولكن ما لا يمكن القبول به أن يصر ذلك المنغمس أن يسحبنا معه إلى زمنه ذاك، مطالباً إيانا بأن نُكن له ونُبدي ما كان الآخرون يكنونه لأجداد أجداده!!
إصرار البعض على اجترار الماضي يجعلهم في غيبوبة حقيقية عن زمانهم وعما يجول فيه، فلا يعيرون لما حولهم أهمية، معتبرين أنه وفعله لا شيء مقابل تاريخهم العظيم، وفي الحقيقة تبدو هذه الغيبوبة اختيارية وبوعي متعمد لكي يتخلص من سوء واقعه فيسترجع لنفسه زمنا ويعيش فيه ويتعامل مع الآخرين من برج زمنه المتصور الفاني. تزداد الورطة عندما يكون هذا الشعور جمعياً، أي متفقاً عليه ضمناً بين مجموعة من الناس والجماعات، وهذا عادة يكون نتيجة شكل موجه، توجهه شخصيات جماهيرية لها شعبية وتأثير تستغل الإعلام لتنقل فكرها أو بالأصح حبسها المنغمس في الغيبوبة.
يلجأ الكثيرون في رأيي لهذه الغيبوبة عندما يفتقرون لكل وسائل إنقاذ واقعهم الممكنة، سواء لأنهم حاولوا التغيير ولم يفلحوا، أو أنهم في الأساس كسالى غير راغبين في التحرك والتغيير، أو لأنهم وهذا في أغلب الأوقات غير صادقين؛ وبعد ذلك الفشل يجدون في ماضيهم ما يمكن التعلق به واجتراره، كما يجدون حولهم من يصدق وهمهم من بين الجهلة والذين يشبهونهم؛ بيننا مجتمعات -للأسف- تعيش هذه الغيبوبة، ولذلك نجد أن الناجحين الحقيقيين فيها يعانون كثيرا فيلجؤون لتركها خوفا من الوقوع في الوهم والغيبوبة.
???
تابعت بالصدفة عبر التلفزيون محاضرة ألقاها إعلامي عربي في إحدى الجامعات العريقة في بلده، كانت مكثفة جداً وعامة جداً وأمام حضور كثيف من الطلاب الشباب. كانت خلاصة محاضرته التي استمرت ما يقارب 20 دقيقة بأن الحل للمشاكل التي يعيشها واقع بلادهم (التي لا تعد ولا تحصى) بأن على أبناء وطنه أن يكونوا مغرورين، وأن يعلي كل شخص من نفسه وينظر لذاته بغرور وعلو على الآخرين - نعم ذكرها كذلك-، ودلل على ذلك بحال الألمان الذين ارتقوا بعرقهم الآري فوق الأمم، وذكر في السياق التجربة الماليزية الناجحة وإعلاء الذات الماليزية، والحقيقة حتى اللحظة لا أدري ماهي علاقة هذه النماذج بطرحه؟ وكيف سيتمكن مواطنو ذاك البلد من علاج مشاكلهم بالغرور، ولا أدري ماذا تنتظر من إنسان مغتر بنفسه؟ فما أعرفه أن من يجد نفسه الأفضل في كل شيء لن يقدم شيئا جديدا لنفسه أو وطنه! الكارثة من وجهة نظري تكمن في قدرة شخصيات كحال ذلك الإعلامي في التأثير على النشء والشباب وإقناعهم بأن غرورهم سيحل مشاكلهم، بدل غرس قيم حقيقية في العمل والجد والتعلم من الآخر الذي تقدم عليه وسبقه!!


Als.almenhaly@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

في الخوف والحب

قبل 6 أيام

أسئلة الطائف!

قبل أسبوع

أكثر بساطة.. ولطفاً

قبل 3 أسابيع

تحت الضوء

قبل شهر

حنين

قبل شهر

عِبرة وقيم

قبل شهر

عِقد وعُقود

قبل شهرين

سر الكون!

قبل شهرين
كتاب وآراء