المعارضة مصطلح شائع في الشعر العربي، كأن يكتب البحتري مثلا قصيدة مطلعها: صنت نفسي عما يدنس نفسي وترفعت عن جدا كل جبس فيقول شوقي قصيدة مطلعها: اختلاف الليل والنهـار ينســــي اذكرا لي الصبــا وأيام أنســي وقد يسير الشاعر اللاحق على خطى الشاعر السابق، أو يوازيه أو يناقضه، ويأتي بما يتضاد ومعاني القصيدة الأصلية، المهم أن يكتب الشاعر اللاحق على الوزن العروضي نفسه، ملتزماً بالقافية نفسها، تماماً كما فعل أحمد شوقي نفسه في قصيدة الحصري القيراوني التي مطلعها: يا ليــل الصــب متـــى غـــده؟ أقيـــــام الســـاعة موعـــده؟ فصاغ على منوالها، معارضا، قصيدته: مضنـــاك جفـــــاه مرقــــده وبكـــــــاه ورحــــم عـــــوده وأغلب الظن أن هذه المعلومات متاحة للكثيرين. ولكني لا أظن أن الكثيرين يعرفون أن المعارضة ليست مقصورة على الشعر وحده، وإنما تجاوزه إلى غيره من فنون الأدب والإبداع، فالمعارضة موجودة في السينما والمسرح وحتى في الرسم وربما الموسيقى، خذ مثلاً رواية إحسان عبد القدوس التي أصدرها سنة 1957 بعنوان "في بيتنا رجل". وكانت الرواية مكتوبة بعد أشهر من اندحار العدوان الثلاثي على مصر. ولذلك كان بطلها واحداً من الشباب الوطني الذي كان ضمن المجموعات الفدائية المقاومة للاحتلال. وكانت حكومة الملك فاروق المتحالفة مع الاستعمار قد قبضت عليه، لكنه استغل كونه في القصر العيني للعلاج وفرّ من سجنه. وقد هداه تفكيره إلى أن يختار أبعد زملائه في الكلية عن السياسة، فقرر أن يذهب إليه ويختفي وسط عائلته التي لا يمكن أن يخطر على بال مطارديه إمكانية اختبائه عند هذه العائلة المنتسبة إلى الطبقة الوسطى. وتنجح خطة الشاب الوطني، ويقبل رب الأسرة استضافة الشاب الذي تطارده الحكومة لوطنيته التي تدفعه إلى مقاومة الاحتلال البريطاني. وكان لرواية إحسان عبد القدوس تأثيرها الكبير في عام صدورها، حين كانت المشاعر متأججة ضد الاحتلال البريطاني. ومرت السنوات، ودخلت مصر حقبة أخرى كان العدو فيها الإرهاب الديني الذي طارد المفكرين والمثقفين من دعاة الدولة المدنية وكبار مبدعيها. وكان الشهيد فرج فودة أول الذين نالهم غدر جماعات الإرهاب الديني في 8 يونيو 1992، وذلك في السياق الذي ضم محاولة اغتيال نجيب محفوظ في 14 أكتوبر 1994. ولم يكن من الغريب أن يكتب لينين الرملي سيناريو فيلم "الإرهابي" لعادل إمام، وهو فيلم يدور حول شخصية إرهابي يختفي متنكراً في منزل عائلة مصرية تنتمي إلى أعلى شريحة في الطبقة الوسطى، ويعيش مع العائلة التي تقبل استضافته حتى يتماثل للشفاء. وكان لينين الرملي يعارض بحبكة السيناريو في فيلم "الإرهابي"، الذي يستبدل بنموذج الشاب الوطني الذي كان موجوداً في الخمسينيات، الشاب النقيض الذي يجسد المتطرف دينياً. ومن المفارقات الدالة أن فيلم "الإرهابي" قد خرج إلى النور سنة 1994 من إخراج نادر جلال، وذلك في العام نفسه الذي حدثت فيه محاولة اغتيال نجيب محفوظ.