عندما تحضر معرضاً للكتاب وتدخل في زحام المرتادين وحاملي أكياس القرطاس النبيل، وتأخذ نظرة على الوجوه المشرقة، والعيون النابشة في الأرفف تشعر بأن ما قد قيل عن وسائل الاتصال الجماهيري أشبه بكذبة أبريل أو أشبه بالفقاعة، فقد بشرنا المبشرون والمروجون والمسوقون والمنظرون بأن الكتاب الورقي سوف يختفي ويتلاشى وجوداً مع تطور وسائل القراءة الإلكترونية وأن الكتاب الورقي لا مستقبل له، طالما حلّت مكانه طيور بأجنحة واسعة وبتقنية عالية إلى درجة الإدهاش ولأننا شعوب تؤخذ بالألوان الفاقعة، روجنا الكذبة وصدقناها وصارت أشبه بنظرية داروين عن التطور التي حلت مكان نظريات وصدمت وأبهرت، ثم اندثرت وصار ينعتها خصومها بنظرية القرود. اليوم نجد الكتاب في المعارض الكبرى يجلس القرفصاء ويبتسم في تحد وكبرياء والمرتادون من حوله يتلمسون أوراقه برفق وعشق ولا يلتفون إلى خرافة ما قاله المروجون عن الوسائل الإلكترونية.. الكتاب يأخذ زخماً بضخامة أوراقه وفخامة التاريخ الذي جلله بالحب وكلله بأزاهير الاعتراف بأهميته لأنه يحمل رائحة الجد ولأنه مضمخ بعطر النون والقلم. الكتاب في معارض الكتاب يحضر بقوة التأثير ويمارس حقه في الوجود لأنه الجيد الذي يجود بجود الدفء وما تحمله دفاته من أحلام الوعي الأول بقيمة الحرف وما نزف به عقل الإنسان من معارف ونظريات وفلسفات تفتقت عنها عقول من بحثوا في العقل حتى استعادوا للإنسان كينونته وبنوا له صيرورته وساروا به نحو غايات التدفق إلى عوالم ما كان للإنسان يصلها لولا بريق الحرف واستفزازاته التي حفزت ودفعت وأيقظت ورافقت الإنسان حتى أن هبط على منطقة الاستنارة وحقق ما حقق كل هذه الإنجازات الحضارية الرائعة.. في معارض الكتاب يثبت الكتاب أنه القيصر الذي يملك ما لا نستطيع أن تملكه وسائل الاتصال الأخرى لأنها وسائل تأتي من عوالم جافة ليس لها ما يملأ راحتي اليدين بالدفء.