صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

في مثل هذا اليوم، وقبل سنوات يمكن أن تحصى، وفي الأمكنة ذاتها، كانت جنيف متكئة على حروفها، تزينها نقاط النور والمعرفة، كانت هذه المدينة التي بلا نقاط اليوم، تصدح بضحكتها، تتضوع بعطرها الشرقي المحضّر لها· وكانت سيدة القلب تضفي على الأشياء الصغيرة فيها، لتتحول في غمضة عين إلى سنابل تكبر في الذاكرة، كانت هي الليل والقمر فيها، كانت المساء الحلو فيها، كانت طائر الفجر الذي ينهض بكسل، ويعطي للغرفة المحجوزة قبل شهرين روائح الأنثى وإطلالة دفء الصبح· كانت جنيف لهما·· لا تقيدهما ساعاتها المنضبطة، ولا ضجيج كرنفالها، ولا وقارها، كانت تلك المرأة قادرة أن تجعل المدينة في قبضة اليد، وأن تجعل من حورياتها وصيفات عابرات على القلب الأخضر المتسع دوماً، هو سرها الذي ذهبت به· جنيف هذا اليوم·· تبدو باهتة ألوانها، خالية من رونقها، كخلو الغرفة منها، كخلو خزانة الملابس من ثيابها الكثيرة والمضمخة بعطور لا تشترى· جنيف هذا اليوم·· تبدو شاحبة كسرير أبيض في مستشفى كبير أو كنافذة مهجورة في عز نهار بارد، تبدو مجللة بالزرقة وانطفاء الحياة· جنيف هذا اليوم·· لا تطاق، ولو ضحك عليها بالمبيت ليلتين، ولو أغراه مطرها الذي يحب، برذاذه المشاغب، لو تسللت له شمسها بخجلها المعتاد، تقرع نافذته بدلالها المعتاد، لو جاس في الأمكنة المعتادة، لو تردد على ظل الأمكنة المعتادة· جنيف هذا اليوم·· تنقصها سارقة الحطب والنار، تنقصها سيدة القلب، تلك التي خطفت خمس نقاط منها وغابت، غير سائلة عنه ولا عنها، جنيف اليوم بلا يد حانية تندّس تحت غطائه لتوقظه أو لتغسله من تعبه أو لتسحبه من قلقه، لقد هربت بها الريح بعيداً، وطار هو سعيداً، واختلفا في المسألة، لكل منهما قبلته ووجهته، وكلاهما ضيّع البوصلة، كانا يغرقان في حكايا الرصيف المبتل، يتغزلان في الشجر المخضّر، يفترشان نهارها، ويشعلان ليلها وينسيان البسملة، ينفضان ريشهما، يخبئان قصيدهما، ويغفلان عن حلّ المعضلة، وما المسألة والمعضلة إلا حبة سنبلة· فهل يكف هذا الذي طار سعيداً·· وهل تأتي تلك التي هربت بها الريح بعيداً؟ وتكون جنيف القبلة وختام المرحلة، هل ترتدي هذه المدينة نقاطها الخمس في أيامها المقبلة، تلك التي خبأتها سيدة القلب في حقيبتها الماكرة الساحرة، واختفت في خضم الكرنفال وليل الأعوام الطويلة والأقدام السائرة··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء