من يظن أن الولاء للوطن، بوصفه مفهوماً سياسياً، يمكن التحايل عليه وتجزئته، فهو واهم أو على الأقل مخطئ في قراءة أبجديات علم الاجتماع والسياسة، ومن يظن أن الأوطان تقبل القسمة والجمع والطرح في آنٍ واحد، فهو يعيش في سوق مزاد وليس في وطن. الأوطان تجمعنا ولا نجمع عليها أوطاناً أخرى، ونقتسم حبها كلنا كأبناء صالحين، لكننا لا نقتسمها مثل قالب حلوى، كل يبحث عن قطعة أكبر، أو مثل شاة شواء، كل يزاحم للحصول على كتف الشاة، في البدء كان الوطن مثل الكلمة ثم جئنا، وفي الختام يبقى الوطن وإن ذهبنا، التاريخ يقول ذلك، الجغرافيا تشهد بذلك، وعلم السياسة يؤكد ذلك، الإنسان بلا وطن ذكرى إنسان، مجرد غريب، لاجئ، لا جذور ولا ظل ولا ذاكرة. إن ما يحدث في عالمنا العربي في معظمه ليس حقيقياً بالقدر الذي تعرضه علينا شاشات التلفزة ووكالات الأنباء الأجنبية في معظمها، من يثق ثقة عمياء في رواية الثورة النقية والثوار الصالحين لا يرى إلا جزءاً يسيراً من المشهد، المشهد الثوري المليء بالعنفوان والقوة وكلمات المجد والشهادة والتغيير والديمقراطية، المشهد الذي لطالما حلمت به الذاكرة والذهنية العربية قروناً وعقوداً كانت تنام على حكاياته وتصحو على بقايا آثاره، ما يحدث اليوم مشهد ثوري منزوع البركة والهدف والبوصلة، مشهد مختلط ملتبس استبشرنا جميعاً به يوم انطلق مباغتاً مثل مارد خرج من قمقم التاريخ في تونس الخضراء وحط رحاله سريعاً في (أم الدنيا)، لكن الأيام كان لها مع الذين تسيدوا المشهد فيما بعد كلام آخر، لا يمت لروح الثورة وتعاليم الثوار! البارحة كتب شباب مصريون كثر في صفحاتهم على “تويتر” تعليقاً على وزير في الحكومة المصرية “الثورية” الذي أغلق الهاتف في وجه إعلامية مصرية كانت تحاوره حول قرار الحكومة بمنع فتح المحال التجارية بعد العاشرة مساء: هل لا زلتم مصرين أننا قمنا بثورة؟ وفي تونس صرخت فتاة في الشارع تتظاهر ضد ما يحدث بعد الثورة قائلة “نحن قمنا بالثورة لنتقدم للأمام، لا أن نعود قروناً للوراء والتخلف”، وفي سوريا اليوم حديث عن سيطرة القاعدة ومقاتلين دمويين يرتبون لمرحلة ما بعد سقوط النظام، أتذكرون “القاعدة”!! أميركا ليست مستعجلة على معركة الحسم، فلديها همّ الانتخابات وساندي، وروسيا حمراء بطبعها وطبيعتها، ولذا فحمام الدم بالنسبة لها نزهة في حدائق موسكو، لا مشكلة إن طال أو قصر، المهم أن تظل هي على موقفها من حماية مصالحها بحماية نظام دمشق، وإيران تلعب دوراً معتاداً محفوظاً عن ظهر قلب، إذن فليستمر حمام الدم، لم يقل أبناء الثورة الحمراء إن ما يحدث في سوريا ثورة، لماذا؟ ألم يتأسس نظام ملالي طهران على انقاض ثورة ضد الشاه عام 1979، ألم تتأسس دولة السوفييت والصينيين على ثورات طاحنة وتاريخية، فما الفرق إذن؟ الفرق دائماً حيث تكون المصلحة! من هنا نقول إن الأوطان إنجاز إنساني تأسس عبر أجيال، وهو ميراث وتركة وحق لأجيال قادمة، لا بد من حفظه لهم بثرواته وقوانينه وبناه التحتية وإنسانه، وأن الهدم والدمار سيؤول أمرهما في نهاية عصر الثورات لشركات عابرة كبرى، ستتعهد مقاولاتها بإعادة الإعمار وتنشيط دورتها الاقتصادية، أما الذين قضوا فلا عزاء لهم، سيقولون عنهم ماتوا بنيران صديقة أو ذهبوا ضحية لحرية الوطن الذي ستحكمه تلك الشركات ومتعهدوها الجدد! عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com