صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر

الزائر لسنغافورة، لأول مرة، ستبدو له المدينة وكأنها شركة عملاقة أو أشبه بـ”مول” ضخم، ستبدو وكأنها مدينة اقتصادية بلا روح للأمكنة، ولا حياة لتاريخ متواصل للإنسان من غابر الأيام، ثمة مدنية وعصرنة وبناء على عجل، لا وجه محدد لإنسان هذه الجزيرة التي أسسها المستعمر الإنجليزي، وظلت تابعة لدول مجاورة حتى تعملقت لوحدها، وبفضل الهجرات من الهنود والصينيين والملاويين وشعوب مختلفة آسيوية، لذا ستجد في سنغافورة الحديثة تمازجاً وتماهياً للمواطن، فكل الأراضي مقسمة بالتساوي للأعراق الأربعة وما نتج من تزاوج بينها، حتى ولو كانت عمارة، فستجد سكانها مؤلفين من الأعراق الأربعة بالتساوي، لكي لا تظهر أي نزعات عنصرية أو نزاعات عرقية، فيها أربع لغات رسمية: الإنجليزية، والصينية “الماندرين” والماليزية، والتاميلية، وتعتبر الماليزية هي اللغة القومية في البلاد، وتبث وسائل الإعلام المختلفة، وتطبع الصحف اليومية بهذه اللغات الأربع، جاء اسمها من كلمتي “سنغا” و”بورا” من اللغة السنسكريتية “الهندية القديمة”، وتعني “مدينة الأسد”، أطلقه عليها أمير سومطري يسمى “سانغ نيلا أوتاما”، الذي يعد مؤسس سنغافورة، لذا اتخذت شعارها الرسمي من الأسد “ميرليون”، وهو أسد في هيئة سمكة، سنغافورة لا ثمة تاريخ واضح إلا الحديث، ولا إنجازات إنسانية إلا في الوقت الراهن، وعلى الصعيد الاقتصادي فقط، وثمة مغامرات كان يحلم بها أسلاف مهاجرون، حتى المعابد التي لها صفة الدهر، في غالبها حديث، غير أن ما يدهشك في هذه المدينة النظافة بامتياز أو الهوس بالنظافة العامة، حتى الأحياء الصينية الفقيرة وبيوت الصيادين تراها تختلف عن مثيلاتها عند شعوب العالم، لذا لا تستغرب أن تصل عقوبة من يرمي عقب سيجارة أو ورقة، أن يغرم دون رأفة بدولارهم السنغافوري الذي يعادل”2,66” درهم، وإن تكررت المخالفة من الشخص نفسه، حكم عليه بالعمل في نظافة المدينة وتكنيسها وغسلها في أيام مشهودة ومنقولة على التلفزيون الرسمي، وقد لا تستغرب أنها تضم مؤتمرات تخص النظافة وتطهير البيئة والعناية بالمستلزمات الصحية كمؤتمر الحمامات العالمي، الأيام الوحيدة التي يسمح فيها بتلويث شوارع سنغافورة في عيد طرد الأرواح الشريرة، حيث يسمح بحرق أوراق نقدية غير حقيقية تصنع لهذا الغرض، ميزة سنغافورة، خاصة للذي عرفها منذ الثمانينات، أنها السبّاقة لأشياء كثيرة، حينما نراها اليوم لا نتعجب، ولكنها في وقتها كانت شيئاً مذهلاً ولافتاً للزائر، كأن تجد حمامات للاستحمام ومحال للحلاقة والتزيين والتدليك في المطار، وغرفاً فندقية يمكن أن تبيت فيها، هناك جانب متأنق حد البذخ في سنغافورة لا يعرفه إلا الأثرياء، لذا تجد أثرياء العالم يطوفون بيخوتهم من ماكاو إلى هونج كونج، إلى بالي وسنغافورة، وتلك الشواطئ للجزر الآسيوية الخلابة، سنغافورة لا تحتاج زيارتها أكثر من يومين أو هي طاردة لا تسمح بطول المكوث، فكل حياتها مبنية على التجديد والتغيير. ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء