صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

هي علة، تحولت إلى ظاهرة، ولكنها ليست جديدة، بل هي قديمة ومتجددة، تتطور مع تطور التقنيات الحديثة·· الأغرب فيها أن أصحابها يتفننون بالإبداع في تنفيذها وتقديمها لنا في قالب جميل وكأنهم يقدمون لنا باقة ورد رقيقة·· هي ظاهرة خطيرة، إذا تركت فإنها تقلب حياة الفرد والمجتمع إلى جحيم، وإذا تفشت في جسد المجتمع فإنها تنخره من أساسه·· وإذا استمر السكوت عليها فقد تتسبب في كوارث صحية وضياع الحقوق وانتفاخ جيوب القلة من المنتفعين على حساب الأغلبية المطحونة·
ظاهرة الغش، انتشرت كما ينتشر النار في الهشيم، ووصلت إلى كل ما يدخل بيوتنا وأفواهنا وجوفنا·· إلى ما نأكله ونشربه ونلبسه·· حتى قناني المياه المعبأة التي نشربها طالها الغش وأصبحنا لا نعرف ما إذا كانت هي مياه صالحة للشرب أم أنها أمواه الحنفيات المصفاة بالفلاتر!··
المعلبات مغشوشة، وكذلك الملابس والأحذية والقرطاسيات والأدوات المدرسية والحليب والأجبان واللحوم والدجاج·· أما عن الأجهزة الإلكترونية فلك أن تتحدث بلا أي حرج·· فقد تجد على الجهاز جملة 'صنع في ألمانيا' أو بريطانيا أو أميركا أو اليابان، ولكنك تكتشف أن الجهاز عبارة عن قطع 'بانكوكية' تم تجميعها في ورشة من ورش 'التنك' بإحدى المناطق التي نطلق عليها 'المنطقة الصناعية!!'·· ويا ويلك أيها المستهلك إذا رفعت صوتك محتجا على هذا الغش، عندها يقولها لك التاجر الغشاش بالفم المليان: 'إذا لم يعجبك·· إشرب من البحر!'·· ولا يقول هذا الكلام من فراغ، بل لأنه على يقين بأن القانون يقف تحية وإحتراماً له حتى لو اكتشف أنه غشاش بامتياز مع مرتبة الشرف، مع الاعتذار لكلمة 'الشرف'!
الغش وصل إيضا إلى صناديق الفواكه وإلى الخضار، ولم نعد نعرف الغث من السمين، ولا الخبيث من الطيب، ولا الجميل من القبيح، ولا الصالح من الطالح·· وقد نكتشف أننا نحن الذين نبحث عن لقمة طيبة قد نبتلع تفاحة فاسدة أو برتقالة نبت فيها العفن أو خوخة لا تنتظر بضع ساعات خارج الثلاجة قبل أن تنمو في خلاياها البكتيريا السامة·
أما الطامة الكبرى فهي في وجود قطع غيار سيارات مغشوشة قد تسبب كارثة إذا تم تركيبها في السيارة·· ولا ندري حتى الآن لماذا توجد تجارة اسمها تجارة البضائع المقلدة دون رقابة صارمة ودون إلزام التاجر أو البائع بضرورة إبلاغ المستهلك بأن هذه البضاعة مقلدة·
لماذا نتعرض لهذه الهجمة الشرسة من قبل الغشاشين؟·· لماذا نفتح أبواب أسواقنا على مصاريعها لاستيراد كل ما هو مغشوش دون أن نعاقب مرتكبي الغش؟·· أين حماية المستهلك؟·· أين القانون؟·· ولا نريد أن نصرخ بملء الفم: 'أين الضمير؟'، لأن الذين اختاروا طريق الغش والتدليس، وضعوا ضمائرهم في مزابل التاريخ؟!·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء