خطأ جارح·· دائماً تضحكني نكتة موظف الجوازات العراقي حين تطرأ على البال أو أتذكّرها صدفة وذلك حينما احتار هو وأحد زملائه وتوقفا طويلاً عند كلمة المهنة وما يقابلها فنانة، فتساءَلا ما معنى فنانة، فحسمها أحدهما بطريقته العراقية الحادة، الجارحة، القاتلة·
كما تطرأ على البال، نكتة أخرى حين ترك واحد من الشعب العربي في بدايات السفر إلى لندن خانة الجنس فاضية دون قصد أو خوف من حسد، لكن موظف الجوازات الإنجليزي الذي يصرّ على كل صغيرة وكبيرة وأحياناً يسألك لمجرد السؤال، لم يفوتها عليه، فأشار إلى خانة الـ SEX الفاضية، فرفع المواطن العربي إبهامه مع كلمة فيري جود التي يعرفها·
بدأنا موضوع اليوم بهاتين الطرفتين، لأنهما من صلب موضوعنا، فالجوازات بقدر ما نشكرها على جهودها وتبسيط أمور الناس وأنها عندنا أفضل من بلدان عربية كثيرة أخرى، إلا أن هذه الدول ليست هي القدوة ولا المثل الذي يجب أن نحتذي به، ولا هي الطموح بعينه، فإدارة الجوازات في الدول المتقدمة تتعامل بالبريد المسجل ولا تتطلب الحضور، فيكفي أن تعطي بياناتك عبر البريد الإلكتروني، لا صف طوابير من غبشة ولا صبرك على موظف صغير في العمر تنتظره أن ينتهي من مكالمته الهامسة أو أنه ذهب ليأخذ شفطتين من مدواخه·
اليوم نحن دولة نفتخر أننا نحاول أن نجاري العصر والسرعة وكسب الوقت والمعاملة الإنسانية الراقية في الإنجاز، وقد حرقنا من أجل ذلك مراحل كانت وما زالت بهمّة رجال وبصيرة حكيمة ورأي سديد، لذا ما نطرحه اليوم هو محاولة الوصول إلى نوع من النموذج الذي نراه في الدول المتقدمة والذي نتمناه أن يكون عندنا، بعيداً عن الروتين والترهل الوظيفي والمزاجية الشخصية، بل نحو تقاليد وإجراءات مكتوبة وملزمة للموظفين في اتّباعها دون اجتهاد شخصي منهم، ودون كسل وظيفي ودون مزاجية ينبغي أن لا تكون في العمل·
ولنحكِ لكم قصة بسيطة·· مواطن ذهب لتجديد جوازه، وبعد إنهاء كل الإجراءات المطلوبة والأوراق الممهورة، قدّمها للموظف، وعاد بعد أيام ليستلم جوازه، وهكذا كان، لكن بعد التدقيق والتمحيص من قبل صاحب الجواز، وهذه مهمة كانت مطلوبة سابقاً من موظفي الجوازات في تحري الدقة لأن الجواز لا يحتمل فيه الخطأ، صدم المواطن حين وجد عند كلمة الجنس أنثى، فأعتزى ولو كان لابساً خنجراً على عادة الأولين، لأتبع العزوة بفعل لا يحمد عقباه، لكنه أسكن ذلك الشيطان الذي في داخله، وتصرّف بحكمة العصر الجديد، ورجع إلى الجوازات ليعلمهم بغلطتهم، وقد كان محرجاً لدرجة أنه كان يتصبّب عرقاً، وهذه من طبيعة الناس البسطاء، فقد كان يحمد ربّه، أنه لم يسافر بهذا الجواز، ولم يطّلع عليه أحد غريب، لكي لا تكبر الفضيحة التي عدّها كبيرة في حقه· تبادل موظفو الجوازات الرأي والمشورة ومن هذا إلى هذا إلى ذاك، طلب من صاحب الجواز أن يأخذ جوازه إلى الجوازات الاتحادية وأن يقدّم المعاملة ربما من جديد وحين أخبرهم أن هذا الخطأ ليس خطأه بل خطأ الجوازات المحلية، هزّ الموظفون الرؤوس وقالوا له: ما لك إلا الجوازات الاتحادية·· وإن شاء الله ما يطلبون منك أوراقاً جديدة لإثبات الحالة··