احتفظ بهذه الصورة.. لأنك بذلك تساهم في الحفاظ على إرثنا الإنساني. هذا ما طرأ على بالي عندما شاهدت محمد يلتقط صورة لجدته وهي تخيط برقعها. وعندما سألوني كيف ذلك؟ أجبتهم: بعض محترفي التصوير يحملون رسالة على عاتقهم مفادها، الحفاظ على التراث الإنساني. إذ إن أغلبهم على قناعة تامة بأنهم يسعون عبر عملهم إلى تثبيت اللحظات الإنسانية الأصيلة والخاصة والفريدة لسلوكيات البشر، حفظاً لها لتصل مستقبلاً للأجيال المقبلة التي لن تشهد مثلها؛ لأسباب عدة منها العولمة وتأثيرها على البشر في تنميط الأفعال والأذواق والسلوكيات، مما ينذر مستقبلاً بغياب الخصوصية الثقافية والفرادة في سلوك الجماعات البشرية، فتصرفات التجار والأفراد- على سبيل المثال- في الأسواق الشعبية عبر الألوان المختلطة للبضائع البسيطة والأطعمة ذات الهوية الخاصة مثار اهتمام هذا النوع من المصورين الذين يدركون جيداً أن تلك الحالة معرضة قريباً للزوال بفعل التحضر والتأثير السائد للعولمة على سلوكيات البشر، وسينتقل هذا السوق وأصحابه وزواره قريباً إلى الشكل العالمي المعروف لدينا جميعاً؛ فلا فرادة في تسوق الناس ولا في طعامهم، مما يجعل الأماكن تتشابه بشكل محزن. لا مبالغة على الإطلاق في هذا التخوف، كما أن الاستخفاف بموضوع غياب الخصوصية والتفاصيل ذات الفرادة التي تميز الجماعات البشرية عن بعضها لم يعد من سمات المجتمعات المتحضرة؛ فالأمر على عكس ما يعتقده البعض، إذ هناك علاقة طردية واضحة بين درجة ثقافة وتمدن الجماعات وبين اهتمامهم بخصوصية هويتهم. إذ كلما زاد وعي الإنسان وقدراته المادية كلما سعى إلى حفظ خصوصيته. وعلى الرغم عن انسياق البشر إلى العالمية طوعا أو جبرا، إلا ان البعض يحاول جاهداً تثبيت لحظات الخصوصية الثقافية عبر وسائل الإبداع الإنساني كالفنون وأشكالها من الشعر والقص والرسم، وهذا ما وصل لنا، أو عبر الصور، وهذا ما يقوم به أصحاب رسالة التراث الإنساني من المصورين. الجديد في الأمر أننا على رغم بساطة أدواتنا، مقارنة بأدوات ومهارات المصورين المحترفين، قد نكون جزءاً من هذا المشروع الإنساني الضخم في الحفاط على التراث الإنساني، وذلك عبر الصور الخاصة التي نلتقطها بكاميراتنا الرقمية بهواتفنا الذكية بشكل يومي لتفاصيلنا التي تخص هويتنا وحدنا. إذ ما نقوم بالتقاطه من سلوكيات الأفراد وعادات الجماعات وتفاصيل حياتهم اليومية مهما كانت بسيطة، له دور رئيسي- مستقبلاً- في حفظ تراثنا الإنساني، وسأشارك أنا وأنت في توثيق ذلك أكثر مما سيفعله المصور المتخصص، الذي لم يحظ بفرصة لدخول بيوتنا، ولا يملك الحس الخاص بالانتباه لتفاصيلنا الفريدة. يعلق البعض بسخرية حول ملايين الصور التي يضخها الناس في موقع “اناستجرام” يومياً، بينما الحقيقة التي لا يدركها كثيرون منهم وممن يضخ هذه الصور، أن ذلك مدعاة للإعجاب والتقدير كون الناس مهتمة بتخليد تفاصيل حياتهم اليومية، وهو أمر هام جداً، فما يفعله الناس الآن سيكون في وقت من الأوقات محل قراءة وتحليل وتنبؤ لسلوك وطباع الجماعات في مرحلتنا هذه. وسيقرأها أحفادنا وغيرهم مستقبلاً ليقولوا للبشرية: هذا كان سلوك من عاشوا في تلك المرحلة وكيف اشتغلت اهتماماتهم. عبر الصور، تُقرأ شعوب وتُفسر سلوكيات ملايين البشر. عبر الصورة سنَحكي لأجيالنا قصتنا. فركزوا على اللقطات التي تحكي هذه القصة.. قصتنا الفريدة التي لا تشبه أحداً غيرنا. ‏Als.almenhaly@ngalarabiya.com