يمكن اعتبار فيلم “رسائل البحر” الذي كتبه وأخرجه داوود عبد السيد، من الأفلام الرومانسية والمليئة بالأسئلة والإشكالات الوجودية، لذلك فالكتابة للسينما صعبة، خاصة إذا اعتقد صاحبها بقيمة السينما وبقدرة الصورة على تكثيف الظواهر والرسائل والخطاب الذي يختزل كل أنواع الخطابات التي اخترعها الإنسان بدءاً بالكلمة، لقد كتب داوود عبد السيد قصة كثيفة جدا مليئة بأسئلة خطيرة لها علاقة بوجودنا كبشر وبنشأتنا ومصيرنا وعلاقاتنا، والزاوية التي نطل منها على الحياة أو على الآخرين أو على أنفسنا، الفيلم لا يوجد به مشاهد جريئة على مستوى الصورة، لكن الرقابة المصرية صنفته من فئة أفلام الكبار بسبب الجرأة التي يطرحها موضوع الفيلم !? هذه نقطة تستحق النقاش، فالذين ينتجون أعمالا خارجة على مألوف ثقافة المجتمع وتحديدا منظومته الدينية والأخلاقية، معتبرين أن أي رقابة أو منع معادل مرفوض للقمع والديكتاتورية وعرقلة الإبداع و... الخ، هؤلاء يتجاوزون أحيانا في توظيفهم للصورة واستغلال الجسد واللعب على الإحالات والإيحاءات ويلجون قضايا لا يجوز طرحها على المراهقين والشباب؛ لأنها تلعب دورا في تشويشهم نفسيا، تماما كما لا يجوز لشخص أن يسير عاريا في الطريق باعتباره فعلا يناقض الفطرة ويعتدي على حريات الخرين وذوقهم وحيائهم العام.
التصنيف الذي يحدد الفئة التي تشاهد العمل نوع من التصنيفات لا يجب أن ينظر إليه على انه وصاية على الفن أو المبدع، ولكن على أنه شكل من العمل الرقابى المطلوب يجب أن يحظى بقبول واحترام الفنانين والكتاب والجمهور، فالفن لا يتعارض ولا يجب أن يتعارض مع الأخلاق أبدا، والرقابة مهمتها فى النهاية توجيه الجمهور وليس الوصاية عليه.? ولأن الفيلم يطرح أسئلة خطيرة لها علاقة مباشرة بأنماط العلاقات الثنائية وتحديدا العلاقات الشرعية وغير الشرعية، لذلك فإن الرقابة هنا تنطلق من الحرص على حماية مؤسسة الزواج في المجتمعات العربية التي تنظر إلى هذه المؤسسة بقدسية وباحترام شديدين في الوقت الذي تتعرض فيه لهجمات قاسية لخلخلتها لصالح علاقات مشبوهة وغير شرعية بدأت تنتشر في مجتمعاتنا بفعل تيارات العولمة والحداثة وثورة الاتصالات وتقنيات الإعلام.
فيلم “رسائل البحر” يدور حول الدكتور “يحيى” الذى يتخرج فى كلية الطب ويعانى من مشاكل في التواصل اللفظي يتعرض بسببها للسخرية من أصدقائه وزملائه فيترك الطب ويقرر العمل صيادا ويلتقى أثناء ذلك بأكثر من شخصية لكل منها حكايته الخاصة، أحداث الفيلم تلعب كلها على فكرة العجز عن مواجهة الواقع، والحيرة فى عالم لا يعرف الرحمة، فـ (يحيى) الذى لم يستطع مزاولة مهنة الطب يذهب للعمل كصياد، أما نورا التى تعيش فى تمزق بين حياتها كزوجة، وهى الحياة التى تنظر إليها بعدم احترام، في الوقت الذي لا تستطيع ترك زوجها لحاجتها إليه، فتعيش مغامرة مع يحيى، مدعية أنها مومس مجسدة بذلك حاله عجز كاملة، عجزعن تغيير واقعها أو اتخاذ قرار الفرار.
عمل يحيى كصياد جعله حين يجوع يتوسل إلى البحر أن يطعمه، وحين تهب ريح شديدة تجعل الصيد أمرا مستحيلا يهتف للبحر صارخا متسائلا عن النظام الغامض للحياة، صرخة (يحيى) هى صرخة عاجز لا يفهم ما يدور، وهى صرخة يشاركه فيها كل أبطال الفيلم على اختلاف مشاكلهم، عندئذ يلقى البحر له رسالة مكتوبة بلغة ليست من لغات الأرض، وكأنها تخبره ألا يتساءل كثيرا، فهو لن يفهم فقط عليه أن يعيش ويتأمل.


ayya-222@hotmail.com