في الحياة، قد تضطرنا الظروف -أحياناً- للوقوف بعد سير طويل أمام لائحة مكتوب عليها: «هنا مفترق طرق».. وقتها علينا أن نتخذ قراراً بين أمريْن لا ثالث لهما، فإما هذا الطريق.. وإما ذاك؛ إذ إن الدرب الذي سلكناه طويلاً قد انتهى أمره، وإن مرحلة مصيرية في حياتنا قد حلت وعلينا أن نستعد لها.
ومهما كان الخَيار الذي سنتخذه، فهو يعني أن السير المقبل سيكون في طريق يختلف عما اعتدناه، كما أن الأدوات التي تلزمنا له مختلفة أيضاً؛ فقد يكون الطريق أكثر وعورة أو انبساطاً، أكثر صخباً أو سأماً، طريق تتطاير فيه الدوائر الملونة أو تملؤه البقع السوداء، طريق فيه كل الاحتمالات مفتوحة، ولكن الأكيد أننا سنعبره، فالطريق باتجاه العودة أمر لا معنى له.
عادة ما تكون هذه اللافتات أصعب ما يواجه الإنسان في حياته، فنحن كبشر نسكن للمتاح، ونعبر الطريق الذي نجده أمامنا بسلاسة وهدوء، آمنين لجدرانه مطمئنين بين ردهاته، ولذا نجد أنفسنا في لحظات سيرنا فيه - حتى وإن باغتتنا أحجار متساقطة من هنا وهناك - نعبره بمنطق المُسيّر للقدر، فلا نتخذ قراراتٍ حقيقيةً لتركه، وكل ما نفعله أن نزرع بعض الدموع على جنباته، فالقناعة أشد ما تكون بأننا مسيَّرون في طريق لا مفر من السير فيه، ولكن أن تأتي تلك اللافتة فجأة في وجوهنا لتخبرنا أننا أيضاً مُخيَّرون، وأن علينا اتخاذ قرار وتحمل مسؤولية اتخاذه، فهذا مؤلم جداً.
ليس اتخاذ قرار الاختيار وحده ما سيكون مؤلماً، إنما قد يكون الطريق الجديد مؤلماً أيضاً، وفيه من المنغصات أكثر من سابقه، وقد تبدو جدرانه متهالكة وقابلة للانهيار، وقد تتساقط بعض صخوره، وتتسبب في جروح غائرة في أيامنا، ولكننا بما نملك من قدرة وأمل وروح مختلفة، قادرون على تحويل تلك الصخور إلى لبنات في ذاكرة حياتنا، نسترجعها فيما بعد بكل اعتزاز كون أن طرقنا كانت مختلفة.