أنتقل هنا من حديث الذكريات عن الوظائف والتخصصات العلمية إلى مستوى آخر يتعلق بمفهوم الوظيفة، باعتبارها السمة الحائزة في النص اللغوي عامة والأدبي خاصة، وهي الفكرة التي وضعها العالم الروسي المولد الأميركي المصير رومان جاكوبسون (1896 ـ 1982) مؤسس التيار العلمي البنيوي، وهو التيار الذي شغلت بتطوراته وتداعياته في نظرية الأدب خلال العقود التي تلت هذه المرحلة.. ويهمني أن أنقل عن هذا الرائد العلمي مقولته في الرد على الماركسيين الذين اتهموا بالفصل بين اللغة والأدب من ناحية والحياة الاجتماعية من ناحية أخرى، يقول جاكوبسون: "الفن جزء أساسي من البنية الاجتماعية، عنصر يتفاعل مع جميع العناصر الأخرى، وهو نفسه متغير، لأن مجال الفن وعلاقته بالمكونات الأخرى للبنية الاجتماعية جميعها في حالة تدفق دائم، لكن ما نمثله وندعو إليه هو استقلالية الوظيفة الجمالية وليس انفصالية الفن". للأسف لم تكن المعركة الدائرة في مصر إبان مطلع الستينات بين التيار النقدي الاشتراكي الذي يمثله الدكتور محمد مندور تحت راية "الأدب الهادف" أو الملتزم، والتيار الذي يتزعمه الدكتور رشاد رشدي الداعي إلى نظرية الفن للفن، لم يكن أي منهما على تواصل مع هذا التيار العلمي اللغوي العميق الذي يربط الفن بالمجتمع، لا بالدعاية والهتاف.. وإنما باعتباره حامل وظيفة جمالية لابد أن تكون مهيمنة عليه وموجهة لبقية وظائفه الدلالية والإعلامية، كما كان أتباع الفن للفن أسرى لفكرة دعا إليها الناقد والشاعر الإنجليزي الأميركي ت. إس. إليوت عن المعادل الموضوعي وفصل الشعر عن حياة المجتمع المباشرة، كما كانت فكرة الالتزام من محصلة المبادئ الوجودية التي نجا منها الشعر الغنائي خاصة، لكننا وجدنا في آراء جاكوبسون العلمية الناضجة أساساً منهجياً متوازناً أصبح فيما بعد هو المهيمن على مجمل الأبحاث النقدية، وقد عرضته بالتفصيل في سياق شرحي لنظرية البنائية في النقد الأدبي، ثم عرضته واستخلصت نتائجه في تفصيلي لأسس وإجراءات علم الأسلوب.. وتعرضت نتيجة لذلك لنقد بعض أصدقائي من علماء اللغة، كما تعرض جاكوبسون نفسه لهذا النوع من النقد.. وقد أصبحت ترسيمة جاكوبسون نموذجاً للوظائف اللغوية حتى اليوم، فيها تتمثل عناصر الخطاب الستة، وهي المتكلم الذي تتولد عنه الوظيفة العاطفية، والسامع الذي يعد محور الوظيفة الطليعية من أمر ونهي ورجاء، والسياق الذي تتصل به الوظيفة الدلالية أساساً، وقناة الاتصال التي تتعلق بها الإشارية أو التأكيدية، أما الشيفرة أو الكود فهي عنصر يرتبط بحديث اللغة عن نفسها مما يسمى "ميتالغة"، وهي التي تميز لغة عن أخرى، وتبقى الوظيفة السادسة والأساسية، وهي المتعلقة بالرسالة في حد ذاتها، وهي الوظيفة الشعرية.. واللافت في هذه النظرية أن كل الأقوال تتضمن عديداً من الوظائف، لكن واحدة منها فقط هي التي تهيمن على غيرها، وبوسعنا أن نقيس على ذلك أبعاد الثقافة الإنسانية من دينية وعلمية واجتماعية وجمالية فنية..