حتى وإن تسرّبتَ إلى البراري متعمداً هجر النعيم اللامع المزركش بالأضواء والنساء. حتى لو قطعت بمقص الماء الخيوط الواهنة التي كانت تشدّك للفراغ وتجمّل في عينيك مرأى الهاوية، حتى وإن صرخت وأنت تهرول في ليل العويل: أغثني أيها الناي. لن تهتدي لمرام قلبك. وسوف تتفتق الطرق ويتشقق جبينها، وأنت تعبرها مجذوباً نحو السؤال العظيم: أين أنا في المكان يضيع زمني..؟ أين تستقر الروح إذا طاش من حولها زئير البشر في ضجيجهم اللاهث وراء الزوال. كيف تهتدي لصمتها إن حاصرتها الواجبات، وأركعتها الشروط لتنحني رعباً من الفاقة. وكيف يعينها جسد بلا جناح، ورجلان لا ترتفعان في القفز إلا وعادتا إلى مستقرهما الأول. كأن المكان قيد عليها، كأن الزمان ظمأ وسط ماء. حتى وإن امتطيت خيول الريح تضربها بسياط البرق، لن تعبر من بوابة الخلود. لن ترى وراء النهايات سوى الفراغ الذي كنت تهرب منه. قل للمرايا معترفاً: أنا وجه غيري. أرسم على الرمل دائرة داخلها الفراغ وخارجها الفراغ، وأنتَ بينهما كتلة ممضوغة، ونطفة مدبوغة شدّها الضوء كي تكبر في تحدي الموت البعيد النائم وراء النهايات. ولما كبُرتَ، تلاعب بك السؤال، ودوّختك حيرة أن ترى الشمس تغرب عند حاجتك إلى الضوء، والقمر يهرب عند اشتهاء الغناء، ووجه الحب ينأى كلما اقتربت خطواتك الأكيدة من السراب الأكيد. حتى وإن وجدت روحك في البياض الورقي، حتى وإن سمعت أعماقك على شكل صمت. سوف يجرّك الكلام من لسانك الطويل كي تنادي باسم ماضيك بحثاً عن المستقبل. قدماك ثابتتان في الحاضر، ورأسك حاسر وممدود في انتظار غد بعيد. كل يوم تنحني لربط حذاء الركض في المنزلقات، ولكن يسبقك الحفاة. كل ليلة تنزوي للاختلاء مع النجم، ولكن تهاجمك الذكريات بأشواكها الصغيرة وتدمي خيالك الحنون. وحين ترتفع أغنياتك محتفلًا بالحياة، سيقول قلبك: أيها الحب أغثني بعاصفة من النور تغسل جرح انتظاري لطيفها واقفاً تحت المطر وجوانحي في جفاف. وسوف تظل مدى العمر مبتلاً ومبتلى بفكرة أن تفوز بالسكينة ولو للحظة، وستفترق خطاك عن بعضها ما دامت دروبك تتفرع مثل الشرايين، ولا تعرف أيهما يتغذى من القلب، وأيهما يابس وينتهي بجدار. حتى وإن غرست في المتاهة دليلك للرجوع، حتى لو نقشت على جدران الخوف شكلًا يشبه الشمس. سيظل النهر يجري، ولن تعبره مرة ولا مرتين. قارب النجاة الذي ظننت أنك تحتمي به في الفيضان، مثقوب وبلا مجداف. والبوصلة التي توقفت عقاربها منذ زمن بعيد، كانت تشير الى الأمام دائماً، إلى الجهة التي تظل تنعم في مجهولها ولا يخدش غموضها سوى من تجاسر قلبه على امتطاء الموجة مهما علت، وعلى تأجيج الهمّة كي لا تقعده النوازع طريحاً في الندم. والطريق الوحيد إلى الخروج من المتاهة يبدأ بقول كلمة الصدق، بالإخلاص للمعاني البيضاء التي تشتعل بزيت القلب وتقشع الحيرة من وجهك كلما طالعت في مرآة غيرك. حتى وإن عاند الصبر البشر حتى لو انتهى العالم المعروف يظل وجهكِ قبلة الشمس وهي تشرقُ من جهة الحنين عادل خزام | akhozam@yahoo.com