إذا كان مشهد المظاهرات والاضرابات التي طالت تونس وعرفت بثورة «الياسمين» وأدت إلى رحيل رئيسها قد وصلتنا بعد حدوثها بثوانٍ معدودات من تونس عبر أجهزة هواتفنا النقالة، وإذا كان الجيل الجديد من الشباب المصري قد نظم مظاهرة هي الأكبر والأضخم منذ 34 عاما عبر الوسائل المختلفة في الإنترنت، فإن القادم من الأيام سيكون مدهشاً ولن يتوقعه أحد في عصر باتت التقنية «المطلوب رقم واحد في العالم».
لقد تحول الانتقاد أو التعبير عن الرفض بما يشبه الكوميديا السوداء التي تنتقد الوضع بسخرية فمثلا تستطيع أن تسمع آخر نكتة عبر هاتفك فور إطلاقها بلحظات وأن تتابع مباراة عبر الموبايل، وأن تضحك ملء فمك بتسجيل لاعب في مرماه بالخطأ، وأن تتابع حادثا وقع في أدنى الأرض بعد أقل من دقيقة وأن تتبادل الرأي مع صديق يعيش في كندا قبل أن يرتد إليك طرفك، كل ذلك من مكاسب ثورة المعلومات التي باتت سلاحاً ذا حدين، فمن كان يصدق أن يتحول العالم إلى شارع صغير وليس قرية صغيرة كما كان يرى الخبراء قبل سنوات قليلة. لقد صدرت لنا الثورة المعلوماتية العديد من القضايا المنتشرة في جميع أنحاء العالم، وبات أبسط إنسان عربي باستطاعته أن يرى الحقيقة كاملة دون تشويه، فعصر الفضائيات والشاشات الفضية والخطوط الحمراء في تقديم المعلومة تراجع، وأصبح بإمكان أي إنسان أن يختار وسيلته الإعلامية ويقدمها عبر الشبكة العنكبوتية، أصبح بمقدور أي شخص أن يدير برنامجا وقناة خاصة به ينتج ويمنتج ويبث دون أن يهتم بمقص الرقيب الذي أحالته التقنية والثورة التكنولوجيا والتقدم الكبير في وسائل الاتصال إلى «التقاعد».
بل الأغرب أن محاولات الحجب التي تلجأ إليها السلطات دائما لهذه المواقع باتت هي الأخرى من الماضي فقد أبدع المئات من الشباب في تقنيات كسر عمليات الحجب «البروكسي» والوصول إلى الناس بأفكارهم، باختصار أينعت ثورة المعلومات واستفاد منها الجميع فمن كان يعتقد يوماً ما أن تكون أكبر مظاهرة سياسية منذ أحداث انتفاضة الخبز في يناير من عام 1977 في الشقيقة مصر صناعة شبابية بامتياز وعبر الفيس بوك والإنترنت وهي المظاهرة التي خرج فيها الشباب في شوارع القاهرة بأعلام بلادهم يحيون الشرطة ويؤكدون أنهم لا يرغبون سوى في أن يسمع المسؤولون صوتهم كل ذلك بفضل ثورة الاتصالات التي اختصرت مئات السنين والقت بنا على ضفاف المعرفة. والجميل أن جيل الشباب العربي الذي اهتدى لهذه الوسيلة في التعبير والتفاعل لم يدرس السياسة في مقرات أحزاب المعارضة التي ظلت لسنوات تقبض على ما تعتقد أنه الحقيقة، ولم يتأثر بشلالات الإحباطات والاتهامات التي طالته خلال السنوات الماضية، وأكدت أن هؤلاء الشباب باتوا بلا قيمة وأن اهتماماتهم كلها تنصب على تافه الأمور من خلال متابعة مباريات كرة القدم وأغاني الفيديو كليب ومسابقات الملايين التي أدمنتها الشاشات العربية... اليوم نقف مبهورين فالذي كان محظوراً في السنوات العشر الماضية ويعتبر خطوطاً حمراء أصبح اليوم سهل المنال ومتاحاً للجميع في التعبير عن ما يختلج خواطره، وهنا قول للفيلسوف الألماني جوته يقول فيه «إذا كان الألم يسلم قدرة الإنسان على الكلام فقد وهبني الله ملكة التعبير عن ما أشعر به من ألم».