صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أطفالنا·· أكبادنا

يعني بعض المؤسسات الخاصة أحياناً تتصرف، وكأنها في محميات خاصة، لا يهمها المجتمع ولا ناسه ولا القوانين التي تسيره·· تعتقد أنها قادرة أن تسبح وحدها مع التيار أو ضده، وأن ليس هناك جهة حقيقية تراقب عملها وتجاوزاتها، وأن الربح الذي تسعى إليه يبيح لها أن تتخطى رقاب الناس، وأولاد الناس، وأن تعبث بصحتهم أو أمنهم وسلامتهم، فقط انظروا إلى هذه القصة واحكموا: شغالة هاربة منذ سنتين من كفيلها بعد أن اكتشف أنها غير لائقة صحياً بسبب إصابتها بالسل الرئوي، وتبقى سنتين حتى يكتشف أمرها، ويلقى القبض عليها، وهنا ليس بمشكلة، المشكلة أن من تستر عليها أسرة مواطنة بسيطة دخلت عليهم من باب الرحمة والشفقة، وتقديم خدمات لرجل كبير في السن، وغيرت اسمها ودخلت عدة بيوت أخرى لأنها تتقن ''المسح على الأوجاع، والتدليك'' مقابل مبلغ مالي بسيط، لكن من بين من آواها وشغّلها وهنا المصيبة الأكبر مدرسة خاصة ذات سمعة عالية، دون أن تدري عنها شيئاً· والمشكلة الأكبر والأدهى أنها كانت تعمل طوال السنتين مرافقة للطلبة الصغار في الباص المدرسي· إن كانت حجة المدرسة أنها لا تعلم عنها شيئاً، فهي حجة واهية، فأمانة الأولاد وصحتهم وسلامتهم أهم من توفير أي مبلغ، وأهم من تقاعس مدير إداري أو مشرف اجتماعي أو محاسب ''ربوي''، وإن تنصلت المدرسة وإدارتها من المشكلة ورمتها في حضن الشركة التي استأجرتها والمختصة بمواصلات الطلبة، فهو أمر أكثر من مدهش، لأن عدم تشدد المدرسة وإدارتها في مثل هذه المواضيع الحساسة والمهمة في الحفاظ على سلامة طلبتنا وأمن أولادنا الصغار، يمكن أن يؤدي إلى كارثة، وساعتها يمكن أن نتحرك، وتتحرك الجهات المسؤولة، لأن مصيبة حلت في وسط طلابي، والمصيبة هنا أنها ليست تسمما صحيا، بل سل رئوي هذه المرة· وإن وضعت المدرسة اللوم كله على الشركة المختصة بالمواصلات، فهذه كارثة هي الأخرى، لأنها قد توظف من تشاء من ناقلي المرض، ومن المهووسين جنسياً، والمضطربين اجتماعياً، ومن الهاربين من كفلائهم أو من المحكومين بجرم سابق· هناك حلقة مفقودة في هذه القصة أو مكان يمكن للآخرين أن ينفذوا من خلاله، أو يمكن أن تغيب الحقيقة وسط دخان، وجهات مختلفة، لكن الأمر الذي نريد أن نخرج به من هذه القصة، أن نراقب ما تفعله بعض المؤسسات الخاصة، كالمدارس، والتأكد من كافة إجراءاتها، أو على الأقل تنوط الحكومة أو القطاع التعليمي بجهة رقابية ما، لمنع بعض الكوارث قبل وقوعها، أو تداركها وهي في أولها·· فالخير أن نكون مع الفعل إن لم نكن قبله، لا أن نكون ردة فعل لأي كارثة تحدث عندنا·· وترى النار دائماً من مستصغر الشرر·· ويا رب لطفلك·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء