هل يمكن لقصص الأشخاص في الحياة أن تكون مهمة وجذابة وملهمة؟ ربما نعم وربما لا، فذلك يعود إلى كيف لنا أن نروي تلك القصص وأن نضيء المظلم فيها حين نواجهه بالحقيقة برغم كل قساوتها وألمها. في الفيلم الوثائقي “قصص نرويها” والذي كان ضمن عروض مهرجان أبوظبي السينمائي، تساءلت إحدى الشخصيات المشاركة في الفيلم أثناء التحضيرات لسرد قصتها عن ما إذا كان هناك جدوى من ان تروي قصة عائلتها أو أن هناك من يهتم بالأساس بقصة عائلتها؟ لكن عندما بدأت أحداث الفيلم الوثائقي تدور على الشاشة الضخمة، استحوذت احداث ذلك الفيلم المتقن على كل من كانوا في صالة العرض وجعلتهم يشاهدون وينصتون إلى تلك القصة التي تمت روايتها بشكل عال من الشفافية والصدق من خلال جميع الشخصيات المشاركة المرتبطة واقعيا بتلك الأحداث، حتى المخرجة التي كانت تسرد في الفيلم سيرة أمها الممثلة الكندية التي ماتت بمرض السرطان، بعد حياة مليئة بالشغف والصخب والمعاناة والحب. وفي الوقت نفسه تروي قصتها داخل تلك الأسرة التي كان إخوتها يشككون في صلة نسب الإخوة بينها وبنيهم من قبل الأب، وفي مواجهة غير عادية مع الذات لبلوغ الحقيقة، تقدم المخرجة موضوع قصتها بكل مصداقية حتى ان تصل إلى حقيقة أن الأب الذي تربت في قربه لم يكن والدها البيلوجي وأن هناك رجلا آخر هو في الحقيقة والدها البيلوجي والذي كان الشخص الذي أحب والدتها وكانت هي ثمرة ذلك الحب.. وفي طريق الفيلم للكشف عن كل ذلك تسقط المخرجة كل الخوف من مواجهة الحقيقة والبحث الذي كثيرا ما يحبب البشر تجنبه طالما سوف يؤدي إلى الألم، ذلك العذر الذي يسكن كل أولئك الذين تخيفهم الحرية بتفاصيلها الجميلة. الفيلم لا يقدم قصصا تروى فقط بل إنه يقدم كيف يمكن أن تروى هذه القصص تقنيا، كيف يمكن أن تكتب وكيف يمكن أن تصور، أي كيف يمكن أن تكون قصة تستحق العرض. الأحداث تتصاعد بشكل درامي لافت، والموضوع يطرح من جانبه الإنساني العالي، بعيدا عن ترهات الخطيئة والندم والانهيارات والإقصاء والتجريم، موضوع يذهب عميقا داخل المعنى الإنساني والطبيعة البشرية الغير معصومة من الأخطاء، ولكنها أيضا المليئة بالحب والشغف والرحمة والجمال. فمن هنا تروى القصص، التي يمكن ان تقرأ وتسمع وتشاهد، قصص لا تبجل وتمجد وتخفي وتقصي، وترتعد من مواجهة الحقيقة، ولا تقدم اشخاصا يعرضون انفسهم بانهم الأول والتالي والآخر، انهم المحور الأوحد للحكاية وأن ما ينطقون به هو الحق وأن ما كتبوه هو الأجمل وأن حضورهم هو الباهر وهم المرجع وهم النجم، فيما في الحقيقة هم اصغر من قشة في محيط، ولا يرون حتى بالعين المجردة. تكون القصص ملهمة بقدر ما تلامس الإنساني فينا بلا ترهيب وتحذير وتوجيه.. يمكن للقصص أن تعيش إذا ما رويت بحقيقة مهما هزتنا من الداخل. سعد جمعة | saad.alhabshi@admedia.ae