صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دراهم العيد

تبدو الكتابة عصية كعادتها في هذه المناسبات، خاصة عندما أرغب في كتابة ما لم أكتبه من قبل، كالدعوة بالأمنيات الجميلة والأيام المبهجة لكم؛ ورغم ذلك تبقى الأمنيات هي البارقة الوحيدة الواعدة بغد مختلف مشرق يحمل المفاجآت.
أمنيات بحجم اللهفة التي ملأتنا عندما وقفنا فيها أمام بيوت الجيران طلباً للعيدية عندما كنا صغاراً؛ ومفاجأة نلح بطلبها، بالإلحاح ذاته الذي كنا نقرع به أبواب جيراننا ليعطونا العيدية، وكأننا نطالب بحق لنا لا يجوز لهم أن يعرضوا عنه في يوم العيد؛ ومفاجأة بأي شيء يصلنا منهم، لها طعم الحلوى التي كانوا يمنحونها لنا، ورائحة ملابسنا الجديدة وبخور المنزل، وصوت الدراهم التي كنا نتسلى بعَدِها طوال أيام العيد في تنافس، أينا استطاع أن يجمع أكثر عددا منها.
لا أذكر أبداً قيمة لتلك الدراهم، ولم أعرف لها فرحة سوى بالحقيبة الجديدة التي ستجمعها، وبهجة الانتصار بعد جمع أكبر عدد منها لمنافسة إخوتي، كما لا أذكر أبداً أن جمعت ما يفوقهم، وكان لهذا الأمر علاقة بقدرة كل واحد منا على زيارة أكبر عدد من بيوت المنطقة، وهو أمر يفلح فيه الصبيان أكثر من البنات، والحقيقة أني أحمل تساؤلاً قديماً بخصوص مصير تلك الدراهم، فهل كنت أستفيد منها، أم أن هناك من كان يصادرها مني كما يفعل إخوتي الآن مع «عيدية» أبنائهم.
وللدراهم قصص أخرى معي، ففي أحلامي كانت تصادفني كثيراً في الطرقات وعلى الرمل، جدتي قالت إن ذلك دلالة رزق سأجنيه أينما أذهب، بينما كان لكُتب تفسير الأحلام رأي آخر، فالعملة المعدنية في الحلم دلالة هموم، ولكني أميل لتفسير جدتي، وهذا ما كان، والآن بعد كل هذا العمر لم تعد الدراهم تأتيني في أحلامي، إنما في كوابيسي النهارية عندما أتورط أمام جهاز الدفع الخاص بمواقف التي ملأت شوارع المدينة، ولا أجد دراهم كافية في حقيبتي لدفع أجرة الموقف، فأضطر لبيع ورقة الخمس دراهم بأربع أو ثلاث دراهم معدنية لأي عابر قرر أن يستفيد من ورطتي.
عندما تغيرت الدراهم إلى الحجم الصغير، حزنت، لم أعد أذكر لماذا؟ ولكني مازلت أحتفظ ببعض تلك الدراهم الكبيرة، لأريها لأحفاد أسرتي، وأخبرهم بقصصها الكبيرة معنا، وما كنا نفعله بها، غير أن هذه الأمنية لم تحدث، فالأحفاد لا يعترفون بهذه العملات وليسوا على استعداد لسماع حكايات حولها، فهم يفضلون الأوراق النقدية الخضراء والزهرية، التي تجعلنا نتواصل خجلاً مع أصدقائنا الذين يعلمون في البنوك قبل كل عيد، ونرجوهم أن يوفروها لنا، قبل أن نتورط أمام الأطفال في الأسرة ونتهم بالـ«زط»، ونفقدهم فرحهم بالعيد... أسعدكم الله بهذه الأيام وكل عام وأنتم بألف خير.




Als.almenhaly@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

عِقد وعُقود

قبل أسبوع

سر الكون!

قبل أسبوعين

كمال زائف

قبل شهرين

صُنّاع الكراهية

قبل شهرين

هناك حقيقة أخرى

قبل 3 أشهر

اللقاء الثاني

قبل 3 أشهر

«بريد الليل»

قبل 4 أشهر
كتاب وآراء