صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الحب بين الحلم والاختيار

ليس خيارنا أن نحب شخصا معينا.. ليس اختيارنا أن نلتقي صدفة به ويشطرنا كبرق شق سكون السحب.. ليس خيارنا ان نختض ونتزلزل وتعترينا رعشة تسكن كياننا ونقول إنها بعض هذا الحب ولذعة الوجد. ليس خيارك أيضا أن يكون المحبوب على ما هو عليه فنحبه حبا يبدو لنا نادرا وغريبا، حب يفتتنا ويجمعنا، يذيبنا ويعيد تكويننا كقدرة خارقة وطلسم غامض. حب صعب في شروط اشد صعوبة.. حب اشد صلابة من الجرانيت وكأنه تجلى صبرنا وصلابتنا، أو انه تجلي الجمال والحرية والفضاء الرحب الذي تقنا ونتوق اليه.. حب لا يملك أحد ولا المحبوب نفسه قدرة منعه لأنه منحة الطبيعة والحياة وليس منة او مكرمة من احد. حب لعله ان يكون تجسيدا وصياغة لوعينا وثقافتنا وتفرد تكويننا وتجربتنا العميقة في الحياة.. حب كهذا لا يكون عابرا هشا وتجربة سطحية وتزجية للفراغ والملل او انه نتيجة دهشة زائلة؛ انه راسخ ضارب بجذوره منذ بواكير وعيينا وصبانا وليس المحبوب الا صورة تجليه وكمال نضجه. ليس إعجابا عابرا ذاك الذي يجمعنا او تقاربنا بسببه، ليس التشابه في بعض امور الحياة وبعض الأحلام او الاوهام، بل هو التواشج الخفي والتناسج الغامض؛ لا بصفته روحا في جسدين كما يقول التعبير الدارج لوصف امر هو اعمق من الادراك، وظاهرا زائلا وابسط من الغور البعيد الذي يكمن فيه سر التواشج .. ربما انه اقرب لمفهوم التناسخ في الفلسفة الهندية، فالمحبوب موجود في الكيان والذاكرة والحلم قبل ان يوجد، وقبل ان يتشكل في مسار العمر عبر علاقتنا بالبشر الذين يحيطون بنا أو نلتقيهم في مجرى الحياة.. وربما قبل ان يولد! ففي حياة كل إنسان امرأة أو رجل القليل او الكثير من علاقات الحب، لكن في كل تجربة وان بدت في وهجها الاول هي الاخيرة يظل ثمة غياب او نقص لا يدرك بالعقل الواعي او الاسباب الظاهرة، ومن جملة تلك الغيابات تتشكل صورة المثال الذي نظل نبحث عنه، يكمن في لا وعي الحلم والتوق. الكثير من الناس يموتون دون ان تعثر على مثلهم وقد تشعر بالحسرة او يظل هذا الشعور كامنا في اللاشعور. وفجأة تلتقي بذلك المثال المرتجى، الذي تكون في عمق الروح والذاكرة، تماما كما يتشكل الجنين خلية في رحم امه. وكما هو مزيج وتواشج بين كائنين مباشرين وكائنات اقل ظهورا حتى الخفاء البعيد. يتشكل الحبيب في باطن الروح والمشاعر والأحشاء ان صح التعبير والمطابقة.. وحين نلتقيه، حين يظهر فجأة في افق حياتنا، لا يبدو لنا غريبا ومجهولا احتجنا ان نسعى ونجتهد لاكتشافه. أننا نعرفه في الآن الذي نراه فيه بقدر ما نعرف انه يكمن في الحلم والكيان. وهكذا يتخذ سلوكنا معه ترحيبا تلقائيا، وبسيطا دون تكلف ومجاملة اجتماعية. كأنما هذا السلوك هو تجلي الفرح الطاغي لإنسان يعثر على لقيا انتظرها طويلا، أو كنز حلم به طوال عمره!! حمدة خميس hamdahkhamis@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء