صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في يوم عرفة

اليوم يقف حجيج بيت الله الحرام على صعيد عرفات الطاهر، في يوم عرفه، في يوم الحج الأكبر، في أهم وأعظم مناسك الحج. وقد جاءوا شعثا غبرا من كل فج عميق. في أعظم مظهر من مظاهر وحدة المسلمين، لا فرق بين عربي أو أعجمي، وبين أبيض أو أسود، وبين غني أو فقير. لا فرق بين ذلك الذي قدم مع حملة “في آي بي” كلفته أكثر من خمسين ألف درهم، وذلك الذي قدم مع حافلة وحملة متواضعة تواضع المعاني السامية التي يفترض أن تغرسها فينا رسالة، وتحملها إلينا، بعد أن تحول الحج على يد مقاولي الحج إلى “بيزنس” من الدرجة الأولى. والجهات المختصة تتفرج على ما يجري من تجاوزات، بحجة تقديم خدمات راقية للحاج في رحلة يفترض فيها استحضار واستلهام عبر جليلة من صبر وإيثار وتضحيات وتحتشد أمام المرء في تلك البقاع الطاهرة. وفي مثل هذا اليوم منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، حدد نبي الأمة محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام، نهجا واضحا يعد دستورا للتعامل بين المسلمين، وهو يخاطبهم صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع “أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلّغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، لا تظلمون ولا ُتظلمون”. وعندما يستعيد المرء أقوال المصطفي عليه أفضل الصلاة والسلام، يتساءل أين منها ممارسات أولئك النفر الذي يستمرئون قتل الأبرياء باسم الدين في مناطق مختلفة من أرض الله الواسعة، وبالذات في بلاد المسلمين. تجد تلك الفئة الفاسدة والمفسدة في الأرض، ممن يغررون بالأغرار، ويزينون لهم القتل وسفك الدماء، لا يتوانون عن إرسالهم إلى بيوت الله ليفجروا أنفسهم داخلها، حيث يتعبد أبرياء بذكر الله. ويتنقل الموت والقتل الذي يوزعونه في كل مكان يصل إليه جنونهم المتفلت، وتعطشهم للدم، والخرائب التي ينعقون من عليها. ينظر المرء الى ما يقومون به من جنون في العراق الجريح، وفي الصومال المكلوم، حيث يتساقط الناس جوعا، لا تتوانى مليشيات الضلالة التي تسمي أنفسها بالمجاهدين والشباب الإسلامي في شن «غزوات» لسلب هؤلاء الضعفاء من المسلمين الأغذية والمساعدات الإنسانية التي أرسلت اليهم. وفي أفغانستان، يقتل الملتاثون الناس باسم الدين ويحّرمون التعليم باسم الدين الذي كان أول ما أنزل الله في قرآنه “اقرأ”، وباسم الدين أيضا يزرعون المخدرات لتمويل تعطشهم للدم والقتل. وفي باكستان وغيرها من بلاد المسلمين الأمر ذاته. نماذج لما يجري من سفك دماء الآمنين والمستأمنين على يد شراذم تريد اختطاف قيم الدين الحنيف، وتجييرها لغاياتها المريضة. ويستوجب منا جميعا الوقوف صفا واحدا لقطع دابرهم، وتطويق مكائدهم، وفضح مآربهم. والله نسأل في هذا اليوم المبارك أن يقي بلادنا وسائر بلاد المسلمين شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن. ali.alamodi@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء