شخوص هذه الرواية غير حقيقيين، تقول سوزان أبو الهوى، كما قال قبلها روائيون كثر. لكن فلسطين هي الحقيقية، تؤكد مؤلفة “بينما ينام العالم”. نعم، فلسطين هي الحقيقية: الدم والدموع، الخيبة والأمل، الأرض الباقية والزيتونات المقتلعات.. كلها تفاصيل فلسطينية، يعيشها بشر حقيقيون نعرفهم بالملامح واللهجة والجراح النازفة، وحينما يتسللون إلى صفحات الكتاب تريدنا الكاتبة أن نصدق أنهم محض خيال. وأنها اخترعتهم لكي يدلوا على أولئك الذين يعيشون في القبور أو على حوافها. في كتابها الأول، لا تلجأ سوزان أبو الهوى الفلسطينية/ الأميركية إلى لعبة سردية تعيد التركيب والبناء والتوليف، لكي تقدم عملا روائيا يقرأ وفق شروط نقدية صارمة. هي تحكي بتدفق. تقص كسيدة عجوز فتحت خزائن ذاكرتها للأحفاد بكرم فيّاض. لذلك جاء الكتاب شهادة قبل أن يكون رواية. تتبعت المؤلفة، مصير ومسار أفراد عائلة فلسطينية (أبو الهيجا)، في رحلة استغرقت أربعة أجيال. نقّبت عن جذورهم في قرية عين حوض (قضاء حيفا)، ونقلت بما يشبه كاميرا ذكية مأساة اقتلاعهم منها في نكبة 1948، وانتقالهم إلى جنين، حيث سيقيمون هناك المخيم الذي سيشهد في العام 2002 مجزرة بشعة. وبين التاريخين تكتب الحكاية الفلسطينية فصول المأساة والملهاة. تتكئ سوزان أبو الهوى في كتابها على فكرة روائية اقتبستها من غسان كنفاني، في قصة نشرها في مجموعته “عائد إلى حيفا”، عن أسرة إسرائيلية تعثر على رضيع فلسطيني في بيت صادرته فتربيه. في “بينما ينام العالم”، سوف يقوم واحد من الجنود الصهاينة الذين هاجموا قرية عين حوض بسرقة الرضيع الفلسطيني، لكي يقدمه هدية إلى زوجته التي جعلها تعذيب النازي عاقرا: “في لحظة واحدة، كان إسماعيل ابن الأشهر الستة على صدرها، بين يديها الحانيتين. في اللحظة التالية اختفى إسماعيل. إن لحظة واحدة ليمكنها أن تسحق دماغا وتغير مجرى الحياة، مجرى التاريخ”. هذا المشهد الفاجعة، سيبقى مرجلا في قلوب أفراد الأسرة الصغيرة: الأب حسن، والأم داليا التي ستقضي سنواتها الباقيات بين الحضور والغياب، والشقيق يوسف الذي سيتعرض إلى تنكيل مرير من شقيقه (المسروق) الذي أصبح جنديا صهيونيا، والشقيقة الصغرى آمال التي ستكون الساردة ومحور السرد طيلة فصول الرواية. نشأت المأساة الفلسطينية على قاعدة من النكران، أرستها المقولة الصهيونية الذائعة: “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”، ولولا قدرة الفلسطينيين، على الإحتفاظ بذاكرتهم الوطنية أولا وقدرتهم على الصمود والمقاومة ثانيا، لأصبحت تلك القاعدة الفاجرة ثابتة سياسية وتاريخية. آمال في الرواية، هي خازنة الذاكرة الفلسطينية المعاصرة. ولعل الأقدار هي التي هيأتها لهذا الدور. فقد خرجت من مخيم جنين إلى القدس في منحة دراسية أولية، ومنها إلى الولايات المتحدة، ومن هناك سوف تتبع مصائر أفراد عائلتها. تسرد حكاياتهم الفردية الصغيرة، ومنها تتضفر حكاية شعب بكامله، متكئة على ما وصلها حينا، وعلى تنقيبها في الوثائق حينا آخر. فحينما تقع مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت صيف 1982، سوف ترسم آمال مشهدا صاعقا لزوجة شقيقها الحامل مبقورة البطن، وعلى صدرها طفلتها فلسطين، اعتمادا على كتاب روبرت فيسك، الذي كان أول الصحافيين الغربيين الذين وصلوا إلى ساحة المجزرة ووثقها. وذلك يبدو مصير محتوم للفلسطيني، لا تنجو منه آمال نفسها، التي تعود إلى جنين مع ابنتها فتكون المجزرة في انتظارها، ورصاصة جندي إسرائيلي. الكتاب هو قصة حب فلسطينية. قصة معجونة بالغضب والرقة في آن. adelk58@hotmail.com