هناك نجوم لامعة في سماء التوشيح لا نستطيع أن نغمض الطرف عنها، ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر المعروف بالحفيد؛ لأنه من أعرق الأسر الأندلسية التي اشتهرت بالطب والعلم والفن والشعر، وقد تولى أجداده الوزارة في إشبيلية حتى عهد المرابطين والموحدين. وقد ولد الحفيد عام 507 هـ وتوفي عام 595 هـ. أما موشحاته فقد كانت منها نماذج عليا من تلك التى نطلق عليها “أم السلالات الشعرية” أي تلك التي أسست لنهج تعبيري اجتهد الشعراء بعده في تمثلها ومجاراتها، ومنها تلك الموشحة الشهيرة التي يقول فيها:ـ “أيها الساقي إليك المشتكى/ قد دعوتاك وإن لم تسمع ونديم همت في غَرته وشربت الراح من راحته كلما استيقظ من سكرته جذب الزق إليه واتكا/ وسقاني أربعا في أربع” ونجاح هذه الصياغة يعود إلى عوامل تركيبية وإيقاعية وتصويرية، فاستهلال الموشحة بنداء الساقي يستحضر موقفا سهل التمثيل، لكنه عندما يقرن ذلك بالشكوى إليه يشعرنا بأنه لم يقصد الساقي العادي. ثم يمعن في استحضار الموقف التمثيلي ذاته، فعدم سماع من نناديهم أمر طبيعي، لكنه يمكن أن يشير أيضا إلى عدم الاستجابة لكل ما يطمح إليه المشتاق. ظاهر النظم قوي النبر مترابط الوحدات، ينصرف بعد المطلع ليجسد صورة شديدة الوضوح لهذا النديم المعشوق، يكاد يضفي جلالا على عبثه، فصوت القصيدة الذي عبر عن نفسه بصيغة الجمع المعظم نفسه يخلص إلى الحديث عن ندمه بصيغة المفرد حتى يبرز هيامه الشخصي في غرته، وهو هيام لا يجرح الحس الأخلاقي في التغزل بالمذكر لأنه قد يعني به المؤنث. على أن التجانس الصوتي بين الراح المشروب والراحة التي تقدمه من شأنه أن يبعث على الارتياح، كما أن التقابل الدلالي بين اليقظة والسكرة يفضي إلى تصوير المشهد الرائع الذي يجذب فيه النديم زقه، ويتكئ على جنبه ويسقي صاحبه أربعا في أربع، ليبرهن على أنه قد سمع وأمتع. ثم يلي ذلك قول الشاعر: “غصن بان مال من حيث استوى بات من يهواه من فرط الجوى خافق الأحشاء موهن القوى كلما فكر في البين بكى/ ويحه يبكي عالم يقع” لعل الموشحات من المنظومات القليلة التي كان الرجال يضعون كلماتها لتغنيها النساء، ألهذا السبب نجد واضعها يعبر عن الشوق المحتدم في قلب المرأة إن تغزل بالمذكر؟ في هذا المقطع ينتقل الحديث إلى وصف المرأة الهيفاء كأنها غصن بان. والعجيب أنه عندما يفكر في الهجر ينخرط في البكاء، وإذا كان هذا الهجر قدرا لا مفر منه فلماذا يبكي؟ وأكاد أرى خلف هذه المعاني مرثية للمدن الأندلسية التي شهد ابن زهر انفراط عقدها وسقوطها واحدة إثر الأخرى في قبضة الأعداء.