تبهجنا أخبار متواترة متقاربة التوقيت: شهر أكتوبر (تشرين الأول) أكثر من مدينة عربية ترعى ملتقى للقراءة. تعددت المسمّيات والدلالة واحدة، هي الإحساس بحاجتنا لتنشيط فعل القراءة الذي يوازي حدث الكتابة التي لا تتم دورتها المعرفية إلا بتسليط قوة القراءة عليها. في مدينة العين الإماراتية يختار المنظّمون شعار (العين تقرأ) مستثمرين التورية بين اسم المدينة والعين القارئة، ويشهرون مهرجانا يتوافد إليه القراء ليثبتوا أن الكتاب مازال حاجة أساسية لا تقل أهمية عن الحاجات المادية الاخرى في الحياة اليومية. وفي زمن قريب من الشهر نفسه يعلن الزملاء في اتحاد كتاب المغرب عن مشروع طريف: قطار القراءة، ليكون ركّاب الوسيلة الشعبية في بلدهم مزودين بما ينشط فاعلية القراءة لديهم، بكتب تتداولها مجانا أيدي المسافرين. لكن شبانا من بغداد اختاروا بعد دعوات على وسائط التواصل الاجتماعي موقعا ذا دلالة لمهرجان مماثل: شاطئ دجلة الأيسر في شارع ابي نؤاس وقريبا من تمثال للشاعر الأكثر شعبية بين شعراء عصره والذي تخلد الشارع باقترانه باسمه منذ عقود. الشعار لا يخلو من مضمون فكري وتداولي معاصر (أنا عراقي.. انا أقرأ) في إشارة ذكية إلى أن فعل القراءة جزء من مقاومة الموت والإصرار على حياة يراد لها ان تخمد وتتجمد في هذا الجسد الذي عرفت البشرية على أديمه أولى الأبجديات والرَقم الطينية والملاحم والفنون. من مصر والجزائر تتصادى أيضا دعوات القراءة في نشاط دعاه الجزائريون (القراءة في احتفال) ثم وسعوه ليغدو مهرجان القراءة للجميع، مستعيرين اقتراح اتحاد الناشرين العرب بهذا الخصوص، وماضين فيه عبر ولايات التراب الجزائري المختلفة. بينما أراده شبان إحدى الفعاليات الشبابية المصرية مهرجانا للقراءة للجميع أيضا يستهدف الشباب في المقام الاول. كذلك في عمّان وإربد والرياض، وفي الشارقة على هامش معرض الكتاب، وفي مدن أخرى. مراجعة شعارات تلك الفاعليات القرائية ترينا أن الدوافع متقاربة والهدف واضح. لتكون القراءة عادة مميزة ولا تحتكرها طبقة أو فئة لها حظ من العلم أو المال، ولتكون العين لا مجرد حاسة للبصر بل للاستبصار والبصيرة عبر المقروء، ولتكون الرحلة ليست لقتل الوقت فحسب، بل للاستزادة والتأمل. أما الشبان العراقيون فأرادوا أن يؤكدوا المقولة الشائعة (العراق يقرأ) ولكنْ ما يكتبه ابناؤه ايضاً. ما يبرر الابتهاج بهذه الوقائع الثقافية مهما كان حجمها، انها بجانب تفعيل فعل القراءة ـ للرقيَ بتعداد قرائنا وكتبنا في الجدول العالمي المثير للألم بصدد بلداننا ـ تتم بدوافع ثقافية،لا دعائية أو سياسية في المقام الاول، وانها تأتي من جيل الشباب المؤثر في مستقبل حياتنا وله الدور الاهم في مستقبل القراءة خاصة. وهي تقام في اماكن مفتوحة ترميزا لشعبيتها، وتطابقا مع مغزاها. الأمل هو أن تكون لهذه الفعاليات فاعليتها في الوعي والذاكرة: التذكير بما للكتاب من مكانة في حياتنا وشخصيتنا منذ أقدم الحضارات، وأن لا تنقطع صلتنا به لأن تلك علامة الاندثار حقا..